ـ عدم انشغال الهم بالله والآخرة ينشأ من ضعف اليقين الحقيقي بالله والآخرة أو من غياب اليقين الحقيقي بالله والآخرة:
ـ الإنسان ينشغل همه بالشيء بقدر ما فيه من نفع أو ضرر عليه، فإذا كان فيه نفع كبير أو ضرر كبير عليه اهتم به فانشغل به همه بصورة كبيرة، وإذا كان ذلك الشيء لا نفع فيه ولا ضرر عليه فلا يهتم به ولا ينشغل به همه مطلقا وينساه.
ـ فعدم وجود انشغال الهم بالآخرة معناه أن هذا الأمر في نظر الإنسان غير مهم وأن الإنسان ينظر للآخرة على أنها لا تنفع ولا تضر رغم وجود اليقين النظري التام بالآخرة وخطورتها.
ـ إذا وصل يقين الإنسان بالله والآخرة إلى درجة الكمال فإنه يعيش وصورة الآخرة لا تفارق ذهنه وصورة الملكين يراقبانه لا تفارق ذهنه ونظر الله إليه لا يفارق ذهنه، فذهنه وهمه مشغول بذلك دائما في كل وقته وعمله، فهو يعيش كأن هناك كاميرات مراقبة موضوعة له في كل مكان، فصورة هذه الكاميرات وهي ترصده لا تفارق ذهنه في كل أعماله، فهو يعيش كأنه يرى الله وكأنه يرى الملكين وكأنه يرى الله ينظر إليه، وهو دائما متذكرا قدرة الله عليه ومدى عظمة صفاته ومدى ضعف الإنسان وضآلة الدنيا، ومتذكرا الآخرة ومتذكرا رقابة الله له، فلا ينسى ذلك ولا يفارق ذلك ذهنه.
ـ انشغال الهم بالدنيا ينشأ من ضعف اليقين الحقيقي بالله والآخرة أو من غياب اليقين الحقيقي بالله والآخرة:
ـ الغفلة (غياب الإحساس بالقيمة) وانشغال الهم بالدنيا كلاهما يؤدي إلى الآخر، فالغفلة تؤدي إلى أن يكون كل هم الإنسان بالدنيا فقط، وإذا كان كل هم الإنسان بالدنيا فقط أدى ذلك إلى الغفلة.
ـ لا يستطيع الإنسان أن يمنع عقله من التفكير في أمر ما هو يوقن نظريا بأنه خطير، لكنه يستطيع أن يشغل عقله بالتفكير في أمور أخرى فهو بذلك يتلهى عن التفكير في ذلك الأمر الخطير، فلا يكون له هم إلا بالدنيا، ويوجه كل تفكيره وتدبره في الأمور الدنيوية وظواهر الأشياء دون بواطنها وحقيقتها فينشغل عن التفكير في حقائق الأمور ومصيره، ففي تفسير البغوي: (( {يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} يعني: أمر معاشهم، كيف يكتسبون ويتجرون، ومتى يغرسون ويزرعون ويحصدون، وكيف يبنون ويعيشون، قال الحسن: إن أحدهم لينقر الدرهم بطرف ظفره فيذكر وزنه ولا يخطئ وهو لا يحسن يصلي {وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ} ساهون عنها جاهلون بها، لا يتفكرون فيها ولا يعملون لها ) ) [1] .
ـ وفي تفسير البيضاوي: (( {ولكن مَّتَّعْتَهُمْ وَءَابَاءَهُمْ} بأنواع النعم فاستغرقوا في الشهوات {حتى نَسُوا الذكر} حتى غفلوا عن ذكرك أو التذكر لآلائك والتدبر في آياتك ) ) [2] .
ـ وفي تفسير فتح القدير: (( {ولكن متعتهم وآباءهم حتى نسوا الذكر} .. والمعنى: ما أضللناهم ولكنك يا رب متعتهم ومتعت آباءهم بالنعم ووسعت عليهم الرزق وأطلت لهم العمر حتى غفلوا عن ذكرك ونسوا موعظتك والتدبر لكتابك والنظر في عجائب صنعك وغرائب مخلوقاتك ) ) [3] .
ـ وقد ينشغل الإنسان بالمال وجمعه حتى يشغله عن التفكير في حقائق الأشياء ومعرفة الخالق والآخرة، فهو بذلك ينشغل بالمال عن تحقيق الإيمان الحقيقي بالله، ففي تفسير زاد المسير: (( قوله تعالى: {أما من استغنى} قال ابن عباس: استغنى عن الله وعن الإيمان بماله ) ) [4] ، وفي تفسير البحر المحيط: (( {أما من استغنى} : ظاهره من كان ذا ثروة وغنى، وقال الكلبي: عن الله، وقيل: عن الإيمان بالله ) ) [5] .
ـ وفي تفسير فتح القدير: (( قوله: {ألهاكم التكاثر} أي: شغلكم التكاثر بالأموال والأولاد، والتفاخر بكثرتها، والتغالب فيها ... وقال الحسن: معنى ألهاكم: أنساكم ) ) [6] .
ـ فقد يظل الإنسان منشغلا بالمال والأولاد وجمع الدنيا حتى يأتيه اليوم الذي يموت فيه، ففي الحديث: (( عن مطرف عن أبيه قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ(ألهاكم التكاثر) قال يقول ابن آدم مالي مالي، قال وهل لك يا ابن آدم إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت فأمضيت؟ )) [7] ، ومعنى (حتى زرتم المقابر) أي حتى دفنتم فيها، وفي تفسير أضواء البيان: (( قوله
(1) تفسير البغوي (ج: 6، ص: 262)
(2) تفسير البيضاوي (ج: 4، ص: 396)
(3) تفسير فتح القدير (ج: 4، ص: 97)
(4) تفسير زاد المسير (ج: 6، ص: 122)
(5) تفسير البحر المحيط (ج: 10، ص: 434)
(6) تفسير فتح القدير (ج: 8، ص: 52)
(7) التخريج: صحيح (مشكاة المصابيح ج: 3، برقم: 5169)