فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 168

كتاب

الإيمان الحقيقي!

د. حسني البشبيشي

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين، أما بعد:

ـ إذا لم يشعر الإنسان بقوة الله وقدرته ولم يشعر بضعف نفسه فلن يشعر بالخوف من الله والخضوع له ومحبته ورجاءه، وسبب ذلك الغفلة عن الله والغفلة عن ضعف الإنسان، وكذلك إذا لم يشعر الإنسان بخطورة الآخرة ولم يشعر بضآلة الدنيا وما بها من الشهوات والأموال والمظاهر فلن يخاف من الآخرة ويعيش لها، وسبب ذلك الغفلة عن الآخرة والغفلة عن ضآلة الدنيا.

ـ العلاقة بين الضعيف والقوي هي علاقة خوف وخضوع وتعظيم وحب إعجابا بقوته ورجاءا واستعانة به وتوكلا عليه وطاعته، فإذا شعر الإنسان بقوة الله وضعف نفسه شعر بالخوف والخضوع والتعظيم والحب والرجاء وتوكل على الله وأطاعه، وهذا هو الإيمان الحقيقي، وإذا لم يشعر الإنسان بقوة ما هو قوي وضعف ما هو ضعيف ففي عقله خلل، هذا الخلل هو عدم مقدرته على الإحساس بقيمة الأشياء، وإذا فقد الإنسان الإحساس بقيمة الأشياء رأى القوة والعظمة في المال أو الجاه أو الشهوات ولم يشعر بقوة الله وعظمته فكان خوفه وخضوعه وتعظيمه وحبه ورجاءه في الدنيا وتوكله عليها وعمله من أجلها فهذا هو عبادة الهوى.

ـ فالإيمان الحقيقي بالله يتحقق عندما يشعر الإنسان بقوة الله وقدرته وعظمته وضعف نفسه وما ينشأ عن ذلك من الحب والخضوع والخوف والرجاء والطاعة، والإيمان الحقيقي بالآخرة يتحقق عندما يشعر الإنسان بخطورة الآخرة وضآلة الدنيا وما ينشأ عن ذلك من خوف المهابة من أهوالها وخوف العقاب والشعور بالغربة والطاعة.

ـ ولاحظ أن البشر ليس فيهم ضعيف وقوي، فجميعهم ضعفاء والله وحده هو القوي: (( وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا ) ) [1] ، وما عند الناس من صور القوة ما هي إلا عطاء من الله إليهم وليست ملكا لهم، فالقوي بحق هو الذي يمتلك صفات القوة والقدرة.

ـ إذا كان الإنسان في عقله خلل فهو لا يدري حقيقة وقيمة ما يعرف وما يعتقد، فليس لديه إحساس بالقيمة للأشياء، وسبب هذا الخلل إما لسبب عضوي فهو مجنون وهو عندئذ غير مكلف، أو أنه عطل وظيفة العقل فلم يستعمل عقله بتجاهل الأمر والتغافل عنه وتناسيه كأنه لم يعرفه ولم يسمع عنه ولم يراه كأن على عينه غشاوة وفي أذنيه وقر فهو لا يعقل، وقد ورد في القرآن تعطيل وظيفة العقل فأصبح لا يشعر بقيمة الأشياء في أكثر من مائة موضع بتعبيرات مثل (لا يسمعون) (لا يبصرون) (لا يعقلون) (لا يفقهون) (لا يعلمون) (يجهلون) (أفلا تتفكرون) (أفلا يتدبرون) (أفلا تتذكرون) وعبارات مثل الغشاوة على العين والوقر على الأذن والطبع على القلب والصمم والبكم والعمى والعشى ونسيان الله ونسيان الآخرة، والغفلة عن الآخرة، وغياب العقل واللب والقلب، والقفل والأكنة والزيغ والختم والضيق والغطاء والغلاف والحجاب والران والغل والسد والصد والصرف والشد والصدف والضلال والإغفال والرجس وتقليب الأفئدة وقساوة القلب وضيق الصدر وغمرة القلب

(1) البقرة: من الآية 165

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت