ـ فالأسباب عبارة عن قوانين تسير بها الأشياء فمن الذي وضع هذه القوانين؟، فالله هو الذي خلق القانون الذي يسير به الكون، ففي تفسير الشعراوي: (( فلا تظن أن الكون قائم على قانون يُديره، بل على القيومية القائمة على كل أمر من أمور الكون ) ) [1] ، فالإنسان إما أن يؤمن بالله الذي يخرق الأسباب وإما أن يؤمن بالأسباب فيكون مادي، فإما أن يعبد الله وإما أن يعبد الأسباب.
ـ فالأسباب هي قوانين مخلوقة لا تنفع ولا تضر، فهذه القوانين عند البشر فقط وليست عند الله، فالبشر لا يستطيع أن يلغي الأسباب ولكن الله يستطيع أن يلغي الأسباب لأنه هو الذي خلقها ووضعها.
ـ فمثلا قانون الجاذبية هو الذي يجعلك إذا سقط شيء من يدك أن يقع على الأرض، فهذا القانون مخلوق يلزمك أنت ولكن لا يلزم الله، فالله إذا أراد أن لا يقع على الأرض ما يسقط من يدك لفعل، كما أن قانون الجاذبية لا يستطيع أن يفعل شيء فليس هو الفاعل الحقيقي، ولكن الفاعل هو الله سبحانه، فإذا سقط شيء من يدك فوقع على الأرض فنقول أن سبب ذلك قانون الجاذبية مجازا لكن في الحقيقة الله هو الذي أوقع ما سقط من يدك على الأرض لأن الله هو الذي صمم هذا القانون.
ـ وكذلك فالدواء لا يشفي والشافي هو الله، فالله هو الذي جعل الدواء يؤدي إلى الشفاء لأنه هو الذي خلق القانون الذي به يستطيع الدواء أن يؤدي إلى الشفاء، أي أن الله هو الذي خلق الخواص المعينة التي في الدواء، والخواص المعينة الموجودة في الجسم بحيث إذا وضع الدواء نتج الشفاء، والإنسان فقط يكتشف ويعرف ما هو موجود فيستفيد من خواصه وليس يخترع ويبتكر الخواص التي تؤدي إلى الشفاء، وقد يريد الله للمريض أن يشفى بغير دواء ولا أسباب، والإنسان مطالب أن يأخذ بالأسباب فقط لأن الله أمره بذلك لأن عدم الأخذ بالأسباب معصية.
ـ عبادة الأسباب:
ـ قد يكون الإنسان على اقتناع نظري تام وإيمان كامل بأن الله هو النافع الضار الشافي الرازق الوكيل الكفيل وأن كل شيء بيد الله وأنه متوكل على الله تماما، لكن حقيقة مشاعره تقول أن كل شيء بالأسباب، وأن كل شيء يمكن صناعته بالعمل، وكل شيء يمكن شراءه بالمال، وأنه يحصل على المال من كده وتعبه، وأن الأسباب هي التي تفعل كل شيء، فشعوره بالخضوع يكون للأسباب وشعوره بالخوف متعلق بالأسباب وشعوره بالحب للأسباب، لذلك فهو يعيش في عالم الأسباب كل شيء عنده بالحساب وبالتخطيط وبالاستقراء وبالمعادلات الرياضية، بل إنه يرى أن المشاعر نفسها يمكن صناعتها بالأسباب!.
ـ قد يكون الإنسان على اقتناع تام بأنه متوكل على الله وأن كل شيء بأمر الله، لكن في حقيقة الأمر يعتمد على عقله ويعتمد على الأسباب حيث تتعلق مشاعره وهمومه وتفكيره وأمانيه بالأسباب أكبر من تعلقها بالله، فإن مشاعره تقول عندئذ: الأسباب هي التي تنفع وتضر، والأسباب هي التي ترزق، فبغير الأسباب ينقطع الرزق، وما مع الإنسان من مال هو من كد يده فحصل عليه من سعيه، والعقل والتخطيط هو الذي يقي الإنسان من المشاكل، وفلان هو الواسطة الذي جلب لي الوظيفة المعينة، والأسباب هي التي تصنع كل شيء، فمثل هذا يعبد الأسباب، وإن كان على اقتناع تام بأنه متوكل على الله تعالى؟!!.
ـ فرجاؤه في الأسباب أكبر من رجاؤه في الله، وخوفه من الأسباب أكبر من خوفه من الله، وخضوعه لقانون الأسباب أكبر من خضوعه لله، فلا يشعر أن الأسباب مخلوقة ولا تملك نفعا ولا ضرا.
ـ فكل حزنه وفرحه وهمه وأمله في الأسباب، فتأثر مشاعره يعتمد ويتوقف على الأسباب لا على الله.
ـ مشاعر الإنسان وهمومه وأهدافه وعمله تسير في اتجاه ما يوقن به الإنسان، فإذا كان الإنسان يوقن يقينا حقيقيا بعظمة قدر الله وخطورة الآخرة وضآلة الدنيا فإن مشاعره وهمومه وأهدافه وعمله تسير في اتجاه التعلق بالله والآخرة مبتعدة عن الدنيا، وإذا كان حقيقة اليقين عند الإنسان هو أن الدنيا وما بها من شهوات ومال وجاه هي الحياة ولا شيء غيرها فإن مشاعره وهمومه وأهدافه وعمله تسير في اتجاه التعلق بالدنيا مبتعدة عن الله والآخرة.
ـ قد تتحقق المشاعر والهموم والأهداف المتعلقة بالله والآخرة أو شيء يسير منها في لحظة ثم تنطفئ حتى تختفي نهائيا فلم يعد منها ذرة واحدة، ثم تعود في لحظة أخرى وهكذا، وهذا يدل على حدوث نسيان لله والآخرة ثم تذكر ثم نسيان وهكذا، وإذا مات الإنسان في لحظة كان ناسيا فيها لله والآخرة فلم يكن في قلبه ذرة واحدة من الخوف منه أو حبه أو رجاءه أو الخضوع له
(1) تفسير الشعراوي (ج: 1، ص: 5585)