فهرس الكتاب

الصفحة 128 من 168

للدنيا وزينتها، فلا يسألون ربهم إلا متاعها، ولا حظَّ لهم في ثواب الله، ولا نصيبَ لهم في جناته وكريم ما أعدَّ لأوليائه، كما قال في ذلك أهل التأويل )) [1] .

ـ ثالثا: أثر اليقين الحقيقي بالله والآخرة على العمل

ـ العلاقة بين الضعيف والقوي هي علاقة طاعة، فالضعيف يطيع القوي ويتبعه.

ـ إذا أخبرت إنسان أن نارا هائلة خلفه توشك أن تلحق به، فإنه بالضرورة سوف يجرى ويهرب، فإذا لم يجرى ويهرب فهذا يدل على أنه غير موقن بما أخبرته، وإذا تباطأ فهذا يدل على أن يقينه بما أخبرته ضعيف، وإذا جرى وهرب فهذا يدل على أنه موقن بما أخبرته.

ـ فالذي يقول بأنه جائع وأمامه طعام شهي ولا يأكل فهو كذاب، وإذا أكل قليلا فالجوع عنده قليل، كذلك الذي يقول بأنه ضعيف والله هو القوي ولا يطيعه مطلقا فهو كذاب، وإذا أطاعه قليلا فيقينه بذلك ضعيف، وإذا أطاعه فهو صادق فيما يقوله.

ـ الطاعة تتكون من أمرين معا هما:

1 ـ الطاعة تعظيما (خوف المهابة) وحبا لله تعالى، وهي طاعة غير مرتبطة بالثواب والعقاب:

ـ قال تعالى: (( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي ) ) [2] ، (( إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ) ) [3] ، (( رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ ) ) [4] ، (( إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ ) ) [5] ، (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(21) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ )) [6] .

ـ وفي تفسير ابن كثير: (( قال بِشْر بن الحارث الحافي: لو تفكر الناس في عظمة الله تعالى لما عصوه ) ) [7] ، فإذا ذكر الإنسان عظمة الله ندم، كيف أعصي ربي وهو الذي خلقني ورزقني وهداني فيندم؟ كما لو عصى الإنسان أباه فإنه يندم.

ـ فلو أمرك حبيب لك وتحبه وفضله عليك عظيم لأسرعت، ولو أمرك أبوك بأمر لأسرعت لأنك توقره.

2 ـ الطاعة خوفا ورجاءا، وهي طاعة مرتبطة بالثواب والعقاب:

ـ قال تعالى: (( أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ ) ) [8] ، (( إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ ) ) [9] .

ـ اليقين الحقيقي بالله يؤدي إلى الطاعة:

ـ جاء في تفسير القرطبي: (( قوله تعالى:"إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا"أي صدقوا ولم يشكوا وحققوا ذلك بالجهاد والأعمال الصالحة ) ) [10] .

ـ وفي تفسير فتح القدير: (( ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم المشركون أو المنافقون أو اليهود أو الجميع من هؤلاء فإنهم يسمعون بآذانهم من غير فهم ولا عمل فهم كالذي لم يسمع أصلا لأنه لم ينتفع بما سمعه ) ) [11] .

(1) تفسير الطبري (ج: 4، ص: 201)

(2) آل عمران: من الآية 31

(3) يونس: 3

(4) مريم: 65

(5) الزخرف: 64

(6) البقرة: 21، 22

(7) تفسير ابن كثير - (ج 2 / ص 185)

(8) الزمر: 9

(9) الأنبياء: من الآية 90

(10) تفسير القرطبي (ج: 16، ص: 349)

(11) فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير ـ محمد بن علي بن محمد الشوكاني ـ دار الفكر ـ بيروت (ج: 2، ص: 298)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت