فهرس الكتاب

الصفحة 109 من 168

أو ذرة واحدة من انشغال الهم بقدرته وعظمته ومراقبته أو لم يكن الله هو غايته وأكبر أهدافه وقع في النفاق الأكبر وكان مخلدا في قعر جهنم والعياذ بالله.

ـ فطالما أن المؤثر ما زال مستمرا وموجودا فلابد أن يستمر التأثر به، فمثلا طالما أن الآخرة لا تزال لم تأتي بعد لابد أن يستمر خوف المهابة من أهوالها وأن يستمر حب الجنة ورجاءها وكراهية النار والخوف منها وتبقى الآخرة في بؤرة شعوره ودائرة همومه وتكون أكبر أهدافه حتى تأتي الآخرة، ويوم القيامة يكون هناك شعور أشد بخوف المهابة من أهوالها وما يحدث فيها.

ـ فما دام الطالب في انتظار نتيجة الامتحان فإنه يظل قلقا، ويستمر القلق حتى تظهر النتيجة، بل إنه كلما اقترب موعد النتيجة زاد القلق، كذلك الذي يكون قلقا من الآخرة يظل هذا الشعور عنده حتى تأتي الآخرة، بل إن القلق يزداد كلما اقترب العمر من الآخرة، كما أن الإنسان لا يدري متى يموت فيكون خوفه أشد، إذن فالمؤمن لابد أن يعيش حياته خائفا من الله ومن عقاب الله في أهوال القيامة وفي النار، ففي الحديث القدسي: (( وعزتي لا أجمع على عبدي خوفين ولا أجمع له أمنين إذا أمنني في الدنيا أخفته يوم القيامة وإذا خافني في الدنيا أمنته يوم القيامة ) ) [1] .

ـ وطالما أن الله موجودا دائما ولن يغيب سبحانه فيظل الشعور بحبه والخوف من مهابته مستمرا حتى في الجنة، ويظل المؤمنون في الجنة يشعرون بأن حب الله أكبر من حب كل شهوات الجنة رغم عظمتها لأن الله أعظم كما أن لذة النظر إلى وجه الله تعالى أمتع من كل متع الجنة، والشعور بخوف المهابة والحب موجود أيضا عند الملائكة وعند الجمادات لأن كل شيء يسبح بحمده سبحانه.

ـ لذلك فالله يأمرنا بالاستمرارية والثبات على الإيمان، ففي تفسير القرطبي: (( قوله تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) الآية نزلت في جميع المؤمنين، والمعنى: يا أيها الذين صدقوا أقيموا على تصديقكم وأثبتوا عليه )) [2] .

ـ أولا: الأدلة على أن غياب الإحساس بالقيمة نفاق أكبر: قد ذكرنا ذلك بالفصل الأول.

ـ ثانيا: الأدلة على أن غياب خوف المهابة والحب وخوف العقاب ورجاء الثواب والخضوع نفاق أكبر:

ـ إن الشيء الذي لا تخافه ولا ترجوه ولا تحبه ولا تكرهه ولا تشعر تجاهه بأي شيء هو شيء لا قيمة له أو هو شيء له قيمة ولكنك فاقد الإحساس بالقيمة، وعدم وجود الإحساس بالقيمة (الغفلة) هو موت القلب وهو نفاق أكبر وطبع على القلب (كما سبق أن ذكرنا في الفصل الأول) ، كما أن عدم الشعور بأي شيء تجاه الغيبيات معناه الغفلة والإعراض القلبي وإهمال الغيبيات، ففي تفسير اللباب: (( {وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرحمن} أي يُعْرِض عن القرآن، وقيل: يُعرض عن الله، فلم يخفْ عقابه ولم يرجُ ثَوَابَه ) ) [3] .

ـ فالإنسان الذي لا يشعر إطلاقا بألم الخوف من مهابة النار أو بلذة الشوق إلى الجنة هو في حقيقة أمره لا يعرف شيء اسمه النار ولا شيء اسمه الجنة، وبالتالي فهو لا يؤمن إيمانا حقيقيا بالنار والجنة، فهي في مشاعره أمور مثل الأمور التي لا تنفع ولا تضر فيقتنع بها فقط نظريا وليس يشعر بها، فهو بذلك قد سلب خاصية الألم من النار وخاصية اللذة من الجنة فأصبحت أمور نظرية لا قيمة لها، وكذلك إذا لم يشعر إطلاقا بشيء من ألم الخوف من مهابة الله أو شيء من لذة الحب لله فهو لا يعرف كلمة (الله) وبالتالي فهو لا يؤمن إيمانا حقيقيا بالله، وإن كانت كلمات (الله) و (النار) و (الجنة) موجودة في الاقتناع واليقين التام لكنه يقين نظري، ولكنها غير موجودة في شعور الإنسان (غياب الإحساس بالقيمة لها) ، ولم تتأثر بها مشاعره وهمومه وأهدافه وأمانيه.

ـ قال تعالى: (( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ ) ) [4] ، (( إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ) ) [5] ، فالآية معناها إذا كان حب غير الله متساوي لحب الله أو أكبر كان ذلك نفاق أكبر، فما بالك لو لم يكن حب الله موجود أصلا فذلك نفاق أكبر.

ـ المشاعر المتعلقة بالله كالحب والخضوع هي أصل توحيد الألوهية، وبدونها لا يتحقق توحيد الألوهية.

(1) السلسلة الصحيحة (2666)

(2) تفسير القرطبي (ج: 5، ص 415)

(3) تفسير اللباب لابن عادل (ج: 14، ص 128)

(4) البقرة: من الآية 165

(5) الشعراء: 98

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت