فهرس الكتاب

الصفحة 72 من 168

ـ فالاستكبار هو تكبير قدر النفس وما معها من شهوات مع تجاهل قدر الله تعالى كأنه ليس له قدر: (( وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ ) ) [1] فهو لا يريد أن يعترف أمام نفسه بضعفه وعظمة الله وقدرته عليه، فأصعب شيء على الإنسان هو الاعتراف بضعفه ونقصه وعجزه واستسلامه واحتياجه وانقياده لغيره، والاعتراف بأنه مقهور ومغلوب وخاضع تحت سيطرة أحدا غيره، والاعتراف بالذل وأن يعيش عيشة الذل وعيشة العبيد لسيد يملكه ويملك التصرف فيه، فالإنسان يعرف أن لله كل صفات العظمة والعلو، وأن الإنسان فيه كل صفات الضعف والعجز لكنه يأبى أن يشعر بذلك ويتعاظم الأمر في نفسه أن يكون كذلك، فالكفار يعلمون الحق بعقولهم ويفهمونه جيدا بعقولهم لكنهم يستكبرون فيتغافلون عنه لأن مشاعرهم تأبى الإذعان والاستسلام لذلك، وبالتالي فمشاعرهم جاحدة مستكبرة.

ـ جاء في التفسير الميسر: (( {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ} وكذَّبوا بالمعجزات التسع الواضحة الدلالة على صدق موسى في نبوته وصدق دعوته، وأنكروا بألسنتهم أن تكون من عند الله، وقد استيقنوها في قلوبهم اعتداءً على الحق وتكبرًا على الاعتراف به ) ) [2] ، (( إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ ) ) [3] ، (( فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ ) ) [4] ، وقد كان كفر أبي طالب بسبب الاستكبار فإنه صدق الرسول ولم يشك في صدقه ولكن أخذته الحمية وتعظيم آبائه أن يرغب عن ملتهم.

ـ فالاستكبار هو أن يؤثر شهواته وحظوظ نفسه على الخضوع لله: (( فَأَمَّا مَنْ طَغَى، وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، فإن الْجَحِيمَ هِيَ الْمَاوَى، وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى، فإن الْجَنَّةَ هِيَ الْمَاوَى ) ) [5] .

ـ فمثلا رغم اليقين النظري التام بأن الآخرة هي حياتنا ومصيرنا، لكننا لا نقبل أن نلغي هذه الحياة الدنيوية فنعيش حياة المسافر الذي يستعد للرحيل، فنحن نهرب من هذه الحقيقة ونعيش كأن الكرة الأرضية هي دار إقامتنا وحياتنا، فرغم اليقين النظري التام بالآخرة إلا أننا نهرب منها ونتغافل عنها ونتجاهلها.

ـ وكذلك فالله هو الخالق المسيطر علينا، ورغم اليقين النظري التام بذلك لكننا لا نقبل أن نعيش حياة الذل والاستسلام ولا نقبل أن نعيش معيشة العبيد فنحن نعيش لأنفسنا ولا نقبل أن نعيش حياتنا من أجل أحد غيرنا، فنحن نهرب ونتغافل عن الله.

ـ فإذا كشفنا عما في قلوبنا وجدنا عدم القبول (الاستكبار) لأن نكون عبيدا أو نعيش تحت أسر الآخرة والإعداد لها ولكننا نخفي هذا الاستكبار في صورة تغافل كأننا لم نسمع عن الأمر.

ـ إن النفس مجبولة على حب الشهوات والسعادة وما فيه الراحة واللذة وتكره الذلة والانكسار والخضوع لأي أحد أو أي شيء لأن في ذلك ألم لها، لذلك فالنفس لا تحب الخضوع لله والدين فتريد أن تتحرر من ذلك، فالنفس من داخلها تتكبر وتأبى أن تستسلم: (( إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ ) ) [6] ، (( بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ ) ) [7] ، ومن أثر ذلك أن النفس قد تجد اللذة في المعصية لمجرد أنها ضد الدين، خاصة لو كانت ذنبا كبيرا لشعورها أنها تتحرر من قيد الخضوع للدين، كالذي يقع في الزنا ويترك زوجته مثلا.

ـ لكي يتحقق الشعور بأن الله هو النافع الضار لابد من تحقيق ثلاثة أمور هي:

1 ـ الإحساس بقيمة النفع أو الضرر، فيشعر بأهمية ما عنده من نعم كالماء والهواء ويشعر بخطورة سلب هذه النعم، والنفع والضر في الدنيا ضئيل، وأكبر النفع وأكبر الضرر هما الجنة والنار.

2 ـ الإحساس أن ذات الشيء لا يضر ولا ينفع، والله هو الذي وضع فيه خاصية النفع أو خاصية الضرر، فالنار لا تضر من ذاتها ولكن الله وضع فيها خاصية الضرر، لذلك فالخوف لا يكون من ذات النار ولكن الخوف من الله الذي يعاقب بالنار، وحب الجنة ليس لذاتها ولكنه حب لله لأنها من ثواب الله والله جعلها تنفع، لذلك فالخوف من الآخرة هو خوف في الله، فالمؤمن لا يخاف إلا من الله.

(1) الدخان: 19

(2) التفسير الميسر (ج: 6، ص: 469)

(3) غافر: من الآية 56

(4) المؤمنون: 47

(5) النازعات: 37 ـ 40

(6) غافر: من الآية 56

(7) ص: 2

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت