إله) في اللغة، ففي تاج العروس: (( ألِهَ يَالَهُ إذا تَحَيَّرَ، يُريدُ إذا وَقَعَ العَبْدُ في عَظَمَةِ اللَّهِ وجَلالِهِ وغيرِ ذلِكَ مِن صفَاتِ الرُّبُوبيَّةِ وصَرَفَ توهّمُه إليها، أَبْغَضَ الناسَ حتى ما يميلَ قلْبُه إلى أَحَدٍ ) ) [1] .
ـ وهذا يجعل مشاعرك تتعلق به حبا وخضوعا وخوفا ورجاءا لدرجة أنك لا تستطيع أن تقطع مشاعرك وهمومك وأهدافك عنه، لأنك لو قطعت مشاعرك وهمومك وأهدافك عنه تهلك، فهذا هو الوله (مأخوذ من كلمة"إله") مثل قولك (العاشق الولهان) أي الذي لا يستطيع أن يقطع حبه ومشاعره وأهدافه عن محبوبه فلا يستطيع أن يعيش إذا ابتعد عن محبوبه.
ـ"الوله"يدل على الحب والفرح بالمحبوب لدرجة أنه إذا ابتعد عنك تتحير ويذهب عقلك وتحزن حزنا شديدا، وهذا التحير والحزن هو الوله: (( الوَلَهُ: ذهابُ العَقل والفُؤاد من فُقْدانِ حبيب، يقال: وَلِهَت تَوْلَهُ وَتَلِهُ، وهي والهةٌ ووَالِه. وكل أنثى فارقت وَلَدَهَا فهي والِهٌ ) ) [2] ، (((وله) الوَلَهُ الحزن وقيل هو ذهاب العقل والتحير من شدّة الوجد أَو الحزن أَو الخوف والوَلَهُ ذهاب العقل لفِقْدانِ الحبيب )) [3] .
ـ الإحساس بضعف الإنسان أمام عظمة الخالق سبحانه:
ـ إن الإنسان عبارة عن مادة مصنوعة تتحرك وفق أمر الصانع ومصنوعة بالكيفية التي صنعها بها، فلابد أن تشعر أنك مادة مصنوعة في يد غيرك يفعل بك ما يشاء، ويشكلك كيف يشاء: (( فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ ) ) [4] ، وتصميم شكل الإنسان أن تكون عينه هنا، وأنفه بهذا الشكل وهكذا هو تصميم وتشكيل مَن صنَعه وشكَّله، ولم يدعي أحد من البشر أن قام بشيء من هذا التصميم، وهناك برنامج داخلي موضوع لكيفية عمل الأجهزة داخل جسم الإنسان، فهذا البرنامج أيضا وضعه صانع هذه المادة المتحركة والمسماة بالإنسان، وأيضا الخالق هو الذي سمى هذه المادة المتحركة بالإنسان، ومن هنا وبمنتهى البساطة يتحقق التوكل والخضوع والحب والخوف من الخالق بصورة تلقائية.
ـ الإنسان ضئيل جدا وضعيف جدا بالنسبة لحجم الكرة الأرضية الهائل، فكل البشرية تكون كالنمل على سطح هذه الكرة، وهذه الكرة تتحرك حول نفسها وحول الشمس مع كل هذه البشرية التي على ظهرها كأنها تفعل بهم ما تشاء وهم لا حول لهم ولا قوة، والكرة الأرضية ضئيلة جدا أمام حجم الشمس وقدرتها، والمجموعة الشمسية ضئيلة جدا أمام حجم المجرة، كما تبدو الأرض مجرد نقطة زرقاء باهتة وسط النجوم، وجميع المجرات ليست بشيء في السماوات، والله سبحانه يمسك السماوات على إصبع من أصابعه يومه القيامة، ويمسك جميع البشرية على إصبع، والأرض الهائلة التي عليها جميع البشرية ليست بشيء حيث يقبض الله الأرض يوم القيامة، إذن فالإنسان ضئيل جدا جدا أمام عظمة الخالق، فقدرة الإنسان وعلمه ليس بشيء أمام قدرة الله وعلمه، وقدرة الإنسان وعلمه عاجز عن مجرد معرفة مدى اتساع وعظمة الكون، وكل الكون ليس بشيء أمام قدرة الله، فما بالك بقدرة الإنسان أمام قدرة الله تعالى.
ـ جاء في الحديث: (( ما السماوات السبع في الكرسي إلا كحلقة بأرض فلاة وفضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة ) ) [5] ، وفي حديث آخر: (( جاء حبر من اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا محمد إن الله يمسك السماوات يوم القيامة على أصبع، والأرضين على أصبع، والجبال والشجر على أصبع، والماء والثرى على أصبع، وسائر الخلق على أصبع، ثم يهزهن فيقول أنا الملك أنا الله، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم تعجبا مما قال الحبر تصديقا له، ثم قرأ(وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون ) )) [6] ، وفي حديث آخر: (( يقبض الله الأرض يوم القيامة ويطوي السموات بيمينه ثم يقول أنا الملك أين ملوك الأرض ) ) [7] .
ـ التفكر مع حضور القلب لآيات الله في الكون تجعل الإنسان يشعر بمدى ضعفه ووقوعه تحت سيطرة وهيمنة الخالق.
ـ صفات النقص عند الإنسان مثل تعرضه للأمراض وللشيخوخة وللموت وحاجته للنوم وتعرضه للنسيان وحاجته للطعام والشراب، فكل هذا من صفات النقص، أما الخالق فهذه الصفات غير موجودة عنده، فله صفات الكمال والجمال، والشعور بصفات النقص عند الإنسان يجعله يشعر بالاستسلام والخضوع، ولكن البعض يوقن نظريا بما عنده من ضعف لكن لا يريد أن يستسلم ويخضع.
(1) تاج العروس من جواهر القاموس (36/ 322)
(2) العين (ج: 1، ص: 281)
(3) لسان العرب (ج: 13، ص: 561)
(4) الانفطار: 8
(5) التخريج: صحيح (السلسلة الصحيحة ج: 1، ص: 223، برقم: 109)
(6) التخريج: متفق عليه (مشكاة المصابيح ج: 3، برقم: 5524)
(7) تحقيق الألباني: صحيح (انظر حديث رقم: 8125 في صحيح الجامع)