ـ ومما يدل على ضعف الإنسان: (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شيئا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ، مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ) ) [1] ، فالإنسان لا يستطيع أن يصنع ولو ذبابة.
ـ ومما يبين ضآلة الكون أنه لم يكن له وجود قبل خلقه فلم يكن غير الله وحده ففي الحديث: (( كان الله ولم يكن شيء قبله ) ) [2] ، ومما يبين ضآلة الإنسان أنه لم يكن له وجود قبل خلقه فكانت الأرض موجودة وعليها الحيوانات ولم يكن الإنسان موجودا فيقول تعالى: (( هَلْ أَتَى عَلَى الْإنسان حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شيئا مَذْكُورًا ) ) [3] ، ومما يبين ضآلة الإنسان أيضا أنه كان نطفة لا قيمة لها ولا حياة فيها فكيف لا يخضع لله: (( قُتِلَ الْإنسان مَا أَكْفَرَهُ، مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ، مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ) ) [4] ، (( كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) ) [5] .
ـ الإنسان ضئيل القيمة أوله نطفة مذرة (أي نطفة لا قيمة لها ولا حياة فيها) وآخره جيفة قذرة، وهو بين ذلك يحمل العذرة (أي يحمل في أمعاءه البراز النتن أثناء حياته) ، (( كما ورد أن بعض الأمراء لقي بعض البله في طريق فلم يفسح له، فغضب وقال: كأنك ما تعرفني؟ فقال بلى والله! إني لأعرفك، أولك نطفة مذرة وآخرك جيفة قذرة، وأنت فيما بين ذلك تحمل العذرة ) ) [6] ، (( فتفكر فيما قال ابن السماك للرشيد وقد دعا بحضرته بقدح فيه ماء ليشربه، فقال له: يا أمير المؤمنين فلو منعت هذه الشربة بكم كنت ترضى أن تبتاعها؟، فقال له الرشيد: بملكي كله، قال: يا أمير المؤمنين فلو منعت خروجها منك بكم كنت ترضى أن تفتدي من ذلك؟، قال: بملكي كله، قال؟ يا أمير المؤمنين أتغتبط بملك لا يساوي بولة ولا شربة ماء! ) ) [7] وفي رواية أخرى قال له ابن السماك: (( فلا خير في ملك لا يساوي شربة ولا بولة! ) ) [8] ، ويقول الشاعر: نسي الطين يوما أنه طينا فصال تيها وعربدا.
ـ فالإنسان ضعيف: (( أَوَلَمْ يَرَ الْإنسان أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ ) ) [9] ، (( هَلْ أَتَى عَلَى الْإنسان حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شيئا مَذْكُورًا ) ) [10] ، (( وَخُلِقَ الْإنسان ضَعِيفا ً ) ) [11] ، ومما يدل على ضعف الإنسان أنه ينام فذلك من صفات النقص.
ـ والإنسان له قدرة محدودة على التمتع بملذات الدنيا، فمثلا لو أكثر من الطعام والشراب أو الجماع لقلت متعته.
ـ ومن عرف ضآلة نفسه وضآلة الدنيا فقد عرف عظمة الله وعرف خطورة الآخرة، وفي نظم الدرر للبقاعي: (( رأس الفسق الجهل بالله، ورأس العلم ومفتاح الحكمة معرفة النفس، فأعرف الناس بنفسه أعرفهم بربه «من عرف نفسه فقد عرف ربه» ) ) [12] ، وفي تفسير حقي: (( قال أمير المؤمنين على بن أبى طالب رضي الله عنه «من عرف نفسه فقد عرف ربه» ) ) [13] ، والعكس صحيح فهناك من يعبد نفسه وهناك من يعبد الشهوة فهو مغرور بنفسه وبالدنيا.
ـ الإنسان لا يريد أن يعيش معيشة العبيد:
ـ الإله هو الذي يمتلك صفات العظمة والقوة، ومن يمتلك صفات النقص والضعف فليس بإله، ومن ليس بإله فعليه أن يخضع ويسجد للإله، لأن الضعيف عليه أن يسجد للقوي، والقوى بحق له أن يستكبر على الضعيف، وإذا رفض أن يشعر باستسلامه فهذا هو كفر الإباء والاستكبار القلبي.
ـ الإنسان يجعل من نفسه إلها ويستكبر أن يخضع، والاستكبار معناه أن الإنسان يرى نفسه كبيرا وعظيما ويرى ما عنده من شهوات ودنيا كبيرة وعظيمة فيرفض الخضوع لله، ومعنى أنه يرى نفسه عظيما أي يجعل إلهه هواه: (( أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا ) ) [14] .
ـ فلا يتحقق اليقين الحقيقي بالله حتى يتحقق اليقين الحقيقي بضعف الإنسان، فيزول غرور الإنسان بأنه يمتلك النعم كالعين والعقل والقدرة والحركة والإرادة والمال والشهوات، لأنه لا وجه للمقارنة بين الخالق والمخلوق، فمن عرف حقيقة قدر الخالق عرف حقيقة نفسه من الضآلة والضعف، وطالما أنه لا يزال الإنسان ينظر إلى نفسه على أنه حر مستقل بنفسه ليس
(1) الحج: 73، 74
(2) التخريج: صحيح (تخريج الطحاوية، برقم: 139)
(3) الإنسان: 1
(4) عبس: 17 ـ 19
(5) البقرة: 28
(6) نظم الدرر للبقاعي (ج: 2، ص: 342)
(7) الأخلاق والسير (ج: 1، ص: 18)
(8) سراج الملوك (ج: 1، ص: 12)
(9) يّس: 77
(10) الإنسان: 1
(11) النساء: من الآية 28
(12) نظم الدرر للبقاعي (ج: 8، ص: 453)
(13) تفسير حقي (ج: 10، ص: 18)
(14) الفرقان: 43