ذليلا لأحد ولا يعيش تحت سيطرة أحد وأنه يمتلك العقل والإرادة والمال والشهوات وأنه يعيش لنفسه وليس تابعا لأحد فهذا يدل على أن الإيمان الحقيقي بالله لم يتحقق لأن من يؤمن إيمانا حقيقيا بعظمة الخالق فإنه يشعر بحقيقة ضعفه.
ـ وطالما غفل الإنسان عن قدر المخلوق من الضآلة غفل عن قدر الخالق من العظمة، فلا يتنبه إلى مدى عظمته وقدرته، ويزين الشيطان للإنسان أن ينسى قدر الله كأنه ليس ذو قدر عظيم وكبير، فتكون نظرة الإنسان للخالق مثل نظرته لأي أحد من البشر من حيث غياب الإحساس بمدى قدره، فلا يشعر الإنسان بقدر الله كأن الله غير موجود أو موجود ولكن ذو قدر ضئيل، وبالتالي لا تتأثر مشاعره بالخالق.
ـ فالإنسان مخلوق كرمه الله وأعطاه من العقل والقدرة ما يصل به إلى التقدم العلمي والرفاهية، ولكن الإنسان قد يعتبر أن هذه المميزات هي من تلقاء ذاته ويقول بلسان المشاعر أن الجنس البشري هو الإله الذي يحكم الأرض، فكل شيء هو تحته يتحكم فيه وليس شيء فوقه يحكمه.
ـ إن الدنيا مزينة للإنسان لذلك فهو مستكبر مغرور بنفسه وبما عنده من الدنيا، ثم جاءت الرسل لتبين له حقيقة ضآلة الدنيا فمنهم من شعر بحقيقة ضآلته فخضع ومنهم من رفض الاعتراف بضآلته فرفض الخضوع ثم تغافل عن الأمر لأنه لا يجد مبررا ودليلا لرفضه الخضوع.
ـ ورغم أن الإنسان يعلم ضآلة نفسه وبالتالي عليه الخضوع فإنه يتجاهل ذلك ويصر على أنه ليس بضعيف وبالتالي لا يخضع، فيصر على أن ما عنده من شهوات ملكا له وليست نعمة من الله ويصر على أن هذه الشهوات عظيمة القيمة رغم أن الله جعلها ضئيلة حتى لا يفتتن بها الإنسان.
ـ فقد تكون مشاعر الإنسان مستكبرة تأبى الخضوع رغم أنه بلسانه وباقتناعه النظري يقول أنه يخضع لله.
ـ فأنت يجب أن تعيش تبعا لمراد الخالق وليس تبعا لما تريده أنت لأنك عبد ولست حرا: (( أَيَحْسَبُ الْإنسان أَنْ يُتْرَكَ سُدًى ) ) [1] ، فالإنسان يظن أن الله خلقه ثم تركه يفعل ما يشاء فيعيش تبعا لما يريده الإنسان لنفسه على أنه له شأنه وهو حر مسئول عن نفسه فيفعل ما يشاء لنفسه ولكنه عبد ليس له أن يفعل ما يريده هو لنفسه ولكن يفعل ما يريده سيده منه، فيعيش تبعا لمراد سيده، فالذي يعيش تبعا لنفسه هو يعبد هواه ومزاجه: (( أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا ) ) [2] ، فإذا كان الإنسان يعيش وفقا لما يريده هو فهو يعبد نفسه وهواه وإذا كان يعيش وفقا لما يريده الله فهو يعبد الله، والإنسان يعلم في نفسه هل يعيش وفقا لأيهما ولكنه يتجاهل.
ـ الإنسان الذي يرفض أن يعيش وفقا لمراد غيره وما يهواه غيره معناه أنه يرفض أن يكون عبدا لأحد، فهو يعيش وفقا لمراد نفسه، فهو في الحقيقة يجعل من نفسه إلها ويرفض أن يكون عبدا.
ـ وبتعبير آخر فالإنسان إما أن يسير وفق مراد نفسه فيتبع عقله وهواه ومزاجه ورأيه وشهواته ويكون حرا يفعل ما يشاء، أو يسير وفق مراد أحدا غيره فيبيع نفسه لغيره يفعل بها ما يشاء فيصبح هو نفسه سلعة تباع وتشترى في سوق العبيد ومن يشترى هذه السلعة فتكون من ضمن ممتلكاته يفعل بها ما يشاء فيكون عبدا مملوكا لسيده الذي اشتراه.
ـ فالإنسان إذا كان هو الذي صنع نفسه بنفسه فأوجد لنفسه عينه وأنفه وأذنيه وأوجد لنفسه ما يمتلك من نعم وأموال وأولاد فهي ملكا له وليس لأحد سلطة عليه أو عطاء أو صنع له شيئا، ففي هذه الحالة فالإنسان له أن يعيش وفق مراد نفسه وما يشتهيه وهذا حقه فهو حر يفعل ما يشاء، وهو عندئذ إله.
ـ ولكن الحاصل عكس ذلك فالإنسان هو نفسه عبارة عن مادة مصنوعة يمتلكها من صنعها، فالإنسان لا يملك شيئا ولا حتى نفسه فكل ما عنده من نعم وشهوات هو محض عطاء من الله فهو ليس إلا سلعة تباع وتشترى، ففي هذه الحالة يجب على الإنسان أن يعيش وفقا لمراد من صنعه ويمتلكه فيكون محبا لله لما أعطاه خاضعا لله لأنه لا يملك شيئا ولا حتى عقله فكل ذلك من صناعة الخالق.
ـ إن مفهوم الإحساس بقدر كلمة"إله"معناه أن يعيش الإنسان حياته رهينا خاضعا له، أي تصبح وظيفته في الحياة ومهمته الأولى التي يكرس حياته من أجلها هي أن يعمل عند الله عبدا كما يعمل الخادم عند سيده فيعيش عمره كله على هذا، فهذا اختار أن يكون عبدا لله، أما غيره فاختار أن يعيش حرا كأن لا أحدا يملكه ولا يتبع لأحد وكأنه هو الذي أوجد نفسه أو لا أحد أوجده، ولاحظ أن: (( الخلْق كلهم عبادُ الله كما قال تعالى: {إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا(93) } ، فكلُّ الخلق عباد الله المؤمن والكافر، ولكن العبودية على قسمين: عبوديّة عامّة: وهذه تشمل جميع الخلق المؤمن والكافر كلُّهم عبادُ لله تعالى، بمعنى: أنّهم مملوكون لله، مخلوقون لله، يتصرّف فيهم، ويدبِّرُ أمورهم، لا يخرُج عن هذا أحد من الخلق، النوع الثاني: عبوديّة خاصّة: وهي عبوديّة التألُّه والمحبّة، وهذه خاصّة بالمؤمنين: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا
(1) الفرقان: 43
(2) الفرقان: 43