ـ الغرور بالدنيا يؤدي إلى الاستكبار (رفض الخضوع) ويؤدي الاستكبار إلى غياب الإحساس بالقيمة (عدم وجود اليقين الحقيقي بالله والآخرة) .
ـ فالإنسان يظن أن الدنيا هي ملكه، فهو مغرور بها فلا يريد أن يتركها من قلبه لتكون ملكيتها لله لسببين هما أنه يتمتع بها ولأنه يعلم أن تركها معناه الخضوع لله والخضوع فيه ألم كبير له، ولأنه يعلم أن الدنيا ملك لله فيلجأ إلى حيلة التغافل والتناسي لذلك فيعطل إحساسه بقيمة هذا الأمر.
ـ الإنسان إما خاضع وإما مستكبر، فإذا كان لا يشعر بالخضوع فهو مستكبر وهو في حقيقة نفسه يرفض الخضوع.
ـ الضعيف لا يكون مؤمنا بالقوي إلا إذا خافه لدرجة الخضوع وأحبه لدرجة الخضوع، ولكي يتضح ذلك لابد أولا أن نعرف مفهوم القوة والضعف.
ـ الإنسان يكون قويا إذا كان يمتلك من القدرة أو المال أو الجاه، أي بما لديه من مميزات وصفات غير موجودة عند غيره فيكون فوقه وأفضل منه، ويكون ضعيفا إذا كان لا يمتلك شيئا من القدرة أو المال أو الجاه، أو أي شيء يتميز به عن غيره.
ـ ولكن لا يوجد أحد قوي بحق إلا الله سبحانه، فجميع الناس متساويين، وجميعهم ضعفاء لأنهم جميعا لا يملكون شيئا، والذي لا يملك شيئا فبماذا يدعي القوة إذا؟، فجميع مظاهر القوة لله جميعا (( أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا ) ) [1] .
ـ فالقوة تشمل جميع الصفات الحميدة، وكمال القوة يعني الكمال في الصفات الحميدة.
ـ فالإنسان إذا كان يدعي القوة فهو ظالم لأنه لا يمتلك القوة بحق.
ـ والقوي بحق لا يحتاج شيئا من الضعيف وبالتالي لا يظلمه.
ـ والقاعدة الفطرية تقول بأن الضعيف يخضع للقوي بحق فيكون تابعا له.
ـ وخضوع الضعيف للقوي يكون على أربعة أنواع معا هي خضوع احتياج لعطاءه وخضوع من خوف مهابته ومن خوف عقابه وخضوع إعجاب وتعظيم لقدرته (فهو خضوع رجاء وخضوع من خوف المهابة وخضوع من خوف العقاب وخضوع حب) .
ـ أي أن الضعيف يحب القوي لدرجة الخضوع، ويخاف من هيبته لدرجة الخضوع، ويخاف من عقابه لدرجة الخضوع، ويرجوه لدرجة الخضوع، فالعلاقة بين الضعيف والقوي هي علاقة خضوع، فإذا لم يتحقق الخضوع فذلك معناه أن الضعيف لا يؤمن بالقوى أي لا يعتبره قويا.
ـ فأصل الدين أن هناك رب وعبد، أي أن هناك ضعيف وقوي، فإذا شعر الإنسان بأنه ضعيف والله قوي تحققت مشاعر الإيمان كلها بالضرورة وتحقق الخضوع، فبمجرد أن يشعر الإنسان بأنه ضعيف مقهور والله قوي مسيطر عليه فإنه يشعر بخوف المهابة من الله والحب والإعجاب بمدى قدرة الله والرجاء في ثوابه والخوف من عقابه والخضوع من خوف مهابته والخضوع حبا لينال العزة به والخضوع خوفا من عقابه ورجاءا في ثوابه.
ـ فالضعيف يخاف من القوى ويخضع له، ويشعر باستكانة وأنه مغلوب على أمره (شعور بالخضوع) ، والقوى له السيادة والسلطة والسيطرة والأمر والنهي، والضعيف مغلوب على أمره مستكين ضعيف مقهور، فهذا حال الخادم الذي هو سلعة تباع وتشترى في سوق العبيد ويعيش تحت أمر سيده الذي اشتراه، فكذلك الحال مع الله تعالى، فالله المتكبر والإنسان الذليل.
ـ إذن عدم وجود الشعور بالخضوع يدل على أن الإنسان لا يؤمن بوجود قوي أعلى منه، فهو يظن أنه قوي، فالإنسان القوي يرفض أن يخضع لإنسان قوي مثله أو أضعف منه، وكذلك الإنسان الضعيف المخدوع في نفسه ويظن أنه قوي يرفض الخضوع لإنسان أقوي منه لأنه يظن أنه مثله أو أضعف منه، فالإنسان ضعيف لكنه مخدوع يظن أنه قوى وأن ما عنده من مال وصحة وممتلكات هي ملك له، كما أنه يتجاهل قوة الله كأنه ليس بقوي أو ليس بأقوى منه فيرفض الخضوع، أما الإنسان الذي يشعر بضعفه وبقوة الله فإنه يرى أن خضوعه لله هو أمر طبيعي، فيشعر فيه بألم لأنه خضوع الضعيف مخافة من القوى، كما يشعر فيه بلذة لأنه خضوع الضعيف الذي يحتاج إلى القوى سواء لمجرد انتسابه إليه فهو خاضع لقوى عابد له ففي ذلك عزة للضعيف وفخر وشرف في انتسابه إلى الله (الخضوع حبا) ، أو لاحتياجه إلى الله ليمده بما يحتاجه (الخضوع رجاءا) ، وهذه اللذة هي لذة التوكل.
ـ قضية الدين كله تتلخص في كلمة واحدة هي الخضوع، وقضية الدين تعني أن أمام الإنسان أمران هما: إما أن تكون له حياته المستقلة به فيدير أموره بنفسه ويفعل ما يريد ويرغب، فيعيش حياته حرا يفعل ما يشاء، وإما أن يجعل حياته لأحد غير نفسه، فيعيش عبدا خاضعا لسيده ومولاه رب العالمين، فيضع نفسه وما يملك ورغباته وحياته تحت تصرف سيده.
ـ إن أصل كلمة"عبد"و"عبادة"هي الخضوع، وأصل العلاقة بين العبد والرب هي الخضوع، وجميع مشاعر الإيمان من خوف المهابة والحب وخوف العقاب ورجاء الثواب تؤدي إلى الخضوع، فالخضوع أربعة أنواع هي الخضوع خوفا من مهابة الله والخضوع حبا لله والخضوع خوفا من العقاب والخضوع رجاءا في الثواب.
ـ الإحساس الخادع بقيمة الدنيا والغرور بها والعزة بها:
ـ الإحساس الخادع بقيمة الدنيا هو شعور بالانبهار والفرح بها، ونوضح ذلك كالتالي:
ـ الإنسان له عقل مغرور به، فهو يستطيع أن ييسر لنفسه أمور الدنيا، وهو لا يشعر أن أمور الدنيا مسخرة للإنسان جعلها الله تحت طوع الإنسان، فالإنسان يظن أن البشر هم الملوك على هذه الأرض، خاصة مع وجود العلم المادي الحديث الذي صنع التكنولوجيا الهائلة وصنع رفاهيات للإنسان وأمور هائلة ما كان يحلم بها، فالإنسان مغرور بما لديه من علم الطب والهندسة وغيرها، فقد يظن الإنسان أن هذا العلم هو من عقله وليس لأحد فضل عليه بذلك، فيظن أنه قوي بما عنده من العلم وليس بضعيف، والقوي لا يخضع لأحد، إنما الخضوع يكون من الضعيف للقوي، لذلك عندما جاءت الرسل لتخبره أن ما لديه من عقل إنما هو ملك لله وليس ملكا له لأن كل شيء ملك لله وخلْقُه، وما لدى هذا العقل من قدرة على العلم فالله الذي صنعها، وبالتالي ما ينشأ عن هذا العلم من خير للإنسان في الدنيا إنما هو نعم من الله على الإنسان، وبالتالي فالإنسان لا يملك شيئا وهو عاري من كل شيء فهو ضعيف وعليه أن يخضع لله ويشعر بأن كل شيء هو نعم وعطاء من الله، لكن الإنسان رفض ما يتمتع به من ملكية هذا العقل وهذا العلم بغير الحق وما ينشأ عنه من تطور مادي، لذلك رفض أن يشعر بالخضوع والذل لله.
ـ وإذا كان الإنسان لا يقول ذلك بلسانه لأن جميع الناس يقرون بأن الله هو المالك والخالق الذي أوجد كل شيء ويوقنون بذلك يقينا نظريا تاما، ولكن تعلق انفعالاته ومشاعره وفرحه وحزنه على ما يكتسبه من الدنيا بعلمه يقول ذلك، ففي تفسير مفاتيح الغيب: (( فرحوا بما عندهم من العلم ... يجوز أن يكون المراد علمهم بأمور الدنيا ومعرفتهم بتدبيرها كما قال تعالى: يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ [الروم: 7] ، ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ [النجم: 30] فلما جاءهم الرسل بعلوم الديانات وهي معرفة اللّه تعالى ومعرفة المعاد وتطهير النفس عن الرذائل لم يلتفتوا إليها واستهزؤا بها، واعتقدوا أنه لا علم أنفع وأجلب للفوائد من علمهم ففرحوا به ) ) [2] ، وفي التفسير القرآني للقرآن: (( قوله تعالى: «ذلِكُمْ بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ» أي ذلكم الذي أنتم فيه من بلاء وعذاب في الآخرة، هو بسبب ما كنتم عليه في الدنيا من غرور بما ملكتم فيها، وزهو وعجب بما بين أيديكم من زخرفها ومتاعها، فصرفكم ذلك عن أن تنظروا إلى ما وراء يومكم الذي أنتم فيه، فقطعتم حياتكم في فرح ومرح، ولهو وعبث ) ) [3] أي فرح غرور بالدنيا كأنهم هم الذين جلبوا متع الدنيا لأنفسهم فهي ملكهم وهو أقوياء بذلك فاستكبروا عن الشعور بالخضوع لله القوي فمصيرهم النار باستكبارهم.
ـ إذن سبب الفرح هو شعور الإنسان بأنه مالك الشيء وبأنه هو الذي أوجده وعدم شعوره بأن الله هو المالك لهذا الشيء وهو الذي خلقه وأوجده، والدليل على ذلك أن قوم قارون عندما قالوا له: (لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ) قال لهم: (إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي) .
ـ وجاء في تفسير القرطبي: (( إنه كان في أهله أي في الدنيا مسرورا، قال ابن زيد: وصف الله أهل الجنة بالمخافة والحزن والبكاء والشفقة في الدنيا فأعقبهم به النعيم والسرور في الآخرة وقرأ قول الله تعالى: {إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم} قال ووصف أهل النار بالسرور في الدنيا والضحك فيها والتفكه فقال: {إنه كان في أهله مسرورا} ) ) [4] .
ـ وقد أهلك الله الذين اغتروا بقدرتهم وإمكانياتهم ومدنيتهم وكانوا أكثر في المدنية والعلم المادي، فقوم عاد كان عندهم من صور القوة والمدنية الكثير: (( فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآياتِنَا يَجْحَدُونَ ) ) [5] ، (( أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ، وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ ) ) [6] ، فكان مصيرهم: (( وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ، سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ ) ) [7] ، وهذا هو مصير الذين يعظمون الدنيا فيغترون بما فيها: (( أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ
(1) البقرة: من الآية 165
(2) مفاتيح الغيب ـ نسخة محققة (ج: 27، ص: 535)
(3) التفسير القرآني للقرآن ـ موافقا للمطبوع (ج: 12، ص: 1269)
(4) الجامع لأحكام القرآن (ج: 19، ص: 273) ـ محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح القرطبي ـ دار الشعب ـ القاهرة.
(5) فصلت: 15
(6) الشعراء: 128، 129
(7) الحاقة: 7