ـ ودائما يجعل الإنسان ما يحتاجه أكثر مما معه من مال، ويتصور أنه لو جاء إليه قدر معين من المال لحقق ما يريد وارتاح وسعد، ولكنه كلما زاد دخل الإنسان كلما صنع لنفسه احتياجات أكثر من دخله، فيظل في احتياج وتطلع وشكوى مستمرة حتى يموت، فكلما حقق طموحه استجد له طموح آخر، ودائما يتصور أن ما يطمح إليه هو شيء مهم وضروري لأسباب واهية، وقد يكون لا داعي له أصلا أو غير مبرر أو لا يحتاج إليه على وجه الضرورة، ويظل يعمل طول عمره من أجل مستقبله ولن يأتيه المستقبل حتى يموت، فهو دائما لا يرضى بحاله والوضع الذي هو فيه ويريد التغيير ولو لمجرد التغيير، فهو غير راض عن مسكنه أو عن عمله أو عن دخله أو عن زوجته وأسرته، فيظل دائما يبحث عن السعادة وينتظرها فلا يجدها ولا يصل إليها، والسبب هو أن الذي يعيش للدنيا كلما حقق طموحا فلابد أن يصنع لنفسه طموحا آخر وإلا فلماذا يعيش وماذا يصنع؟ فالإنسان لا يستطيع أن يعيش بغير طموح وهدف، وطالب الدنيا ليس له هدف محدد لأن الدنيا ليست شيئا واحدا فهي ألوان من المظاهر والشهوات والأموال والمتاهات ولا يملأ عين ابن آدم إلا التراب، أما الذي يعيش للآخرة فطموحه الجنة، أما الدنيا فهو يعلم أنه عابر سبيل فلا يطمح فيها، كما أنه يعلم أن رزقه لا يزيد ولا ينقص لا بطموح ولا بغير طموح وأنه لا حيلة في الرزق، وأن رزقه لن يأخذه غيره لذلك فهو مطمئن سعيد، ولذلك ففي الحديث: (( انظروا إلى من هو أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم ) ) [1] .
ـ إن متاع الدنيا يحدث فيه ملل، فإذا أكثر الإنسان من طعام معين أو شراب معين أو اعتاد عليه فبعد فترة يمل منه، وكذلك التعود والتكرار في متع الدنيا المختلفة تؤدي إلى الملل، بل إن وسائل الرفاهية ووسائل التقدم العلمي ليس كلها خير ففيها الضرر على صحة الإنسان وتلوث وضرر على البيئة، فمتع الدنيا بها كدر ويصاحبها آلام ومتاعب ومشاكل وليست متع خالصة لأن الله أراد ذلك، فاللذة الكاملة غير موجودة إلا في الجنة، كما أن الحصول على متع الدنيا ليس أمرا سهلا لأن المتنافسين عليها كثير، وهذه المنافسة كالغابة القوي فيها يأكل الضعيف، أما متع الجنة فلا يمل الإنسان منها أبدا، ولا يوجد أي شيء يعكر على الإنسان المتعة ففي الحديث: (( إذا دخل أهل الجنة الجنة ينادي مناد إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدا وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدا وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدا وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدا وذلك قول الله عز وجل(ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون ) )) [2] .
ـ عن لقمان بن عأمر أن أبا الدرداء قال: (( أهل الأموال يأكلون ونأكل، ويشربون ونشرب، ويلبسون ونلبس، ويركبون ونركب، لهم فضول أموال ينظرون اليها [3] وننظر اليها معهم عليهم حسابها ونحن منها براء ) ) [4] .
ـ ومما يبين ضآلة قيمة المال ما جاء في الحديث: (( عن مطرف عن أبيه قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ(ألهاكم التكاثر) قال يقول ابن آدم مالي مالي، قال وهل لك يا ابن آدم إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت فأمضيت )) [5] أي لا يحتاج من ماله إلا ما يأكله وما يلبسه وكلاهما يفنى ويترك الإنسان ماله ومسكنه وأهله بعد الموت فما نفعه ذلك بشيء.
1 ـ الإحساس بضآلة شهوة النساء:
ـ النساء كلهن سواء في شهوة الجماع وكذلك الرجال، والإنسان البصير هو الذي يعلم ذلك، ومدخل الشيطان أنه يبين للإنسان أن غير زوجته أفضل منها وأن الشيء الحرام أفضل في المتعة والشيطان لا دليل له على ذلك، وليس الأمر إلا أنه ظل يوسوس للإنسان حتى صدقه وأطاعه: (( وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأمر إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ ) ) [6] .
ـ شهوة النساء متاع قليل وقبل الجماع غرور بمتاع كبير وأثناءه متعة محدودة بوقت قليل وبعده كأن لم يكن شيء، فإن شهوات الدنيا ضئيلة، فالإنسان له قدرة محدودة علي الطعام والشراب والجماع، بل إنه كلما زاد كلما قلت متعته وربما تعب، لكن يزين له الشيطان أنها متعة هائلة وأنه يمكن أن يستزيد منها إلى حجم هائل ويزين له أن هذه المتعة تتفاوت بصورة هائلة بين النساء حتى يظل يعيش في مرحلة الغرور بمتاع كبير، في حين أن هذه المتعة شبه متقاربة بين النساء، ويقول تعالى: (( وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ ) ) [7] فالشيطان زين له أن هذه الشجرة فيها السعادة والخلود: (( فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى ) ) [8] رغم أن أشجار التفاح كلها واحدة متشابهة في طعمها ولكن
(1) تحقيق الألباني: صحيح (صحيح الجامع برقم: 1507)
(2) حديث صحيح (صحيح الترغيب والترهيب: ج: 3، برقم 3771)
(3) يريد أنهم لا ينتفعون بها وإنما يقتصرون على النظر إليها، وليس في النظر نفع على الحقيقة.
(4) تقريب زهد ابن المبارك (ج: 1، ص: 95)
(5) حديث صحيح (مشكاة المصابيح ج: 3، برقم: 5169)
(6) إبراهيم: من الآية 22
(7) البقرة: من الآية 35
(8) طه: 120