فهرس الكتاب

الصفحة 98 من 168

أن فيها تعظيم لحب غير الله ففي ذلك صرف عن حب الله كما أن فيها تلهي وتشاغل عن الله، وهذا يعني أن كلام الحب للعشاق لابد أن يتحول إلى الله بشرط تعديله بحيث يليق ويتناسب مع الله سبحانه، وبشرط إزالة الكلمات والمعاني التي تتناسب مع الطين (الإنسان) لأنك تتعامل مع الله سبحانه، وإنك تجد أن أهل الغناء والشعراء كثيرا ما يبالغون مبالغة شديدة في معاني القرب من محبوبهم، وهذه المبالغة الشديدة إنما تجب أن تكون لله تعالي، والعكس فإن الكلمات والمعاني الدينية التي تستخدم للتقرب إلى الله فإنك تجد أهل الغناء يستخدمون معاني قريبة أو شبيهة أو حتى نفس الكلمات في التقرب إلى المحبوب وهذا يجب أن يكون لله تعالى، فإن الشعراء وأهل الغناء ذاقوا طعم الحب، ولكن للأسف الحب للنساء، ولابد أن يكون نفس هذا الحب، بل أشد منه لله تعالى، وهذا معنى قوله تعالى: (( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ ) ) [1] ، (( إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ) ) [2] .

ـ الإنسان يحب من يتصف بالصفات الحميدة كالقوة والقدرة والعلم، ويبغض من يتصف بالصفات المذمومة كالضعف والنقص والعجز والجهل.

ـ جميع المخلوقات هي في ذاتها فيها كل الصفات المذمومة وما عند المخلوقات من صفات حميدة هي عطاء من الخالق وليست أمور في ذاتها، فالمخلوقات في ذاتها لا تمتلك شيئا وليس لها حول أو قوة أو علم، كما أن الذي لديه صفات حميدة معرضة لأن تسلب منه فهذه صفات ذم، وجميع الصفات الحميدة هي للخالق وحده، فهي صفات ذاتية في ذات الخالق سبحانه لم يكتسبها من أحد ولم يعطيها أحد له ولا يستطيع أحد أن يسلبها منه سبحانه، إذن فلا يحب لذاته إلا الله، وجميع المخلوقات يبغضها الإنسان لذاتها لضعفها ونقصها، وما يحبه الإنسان في المخلوقات هو من حب الله أي هو حب في الله وليس حب لذات المخلوق لأن المخلوق في ذاته لا يملك ولا يعلم شيئا وما عنده من إرادة هي عطاء من الله ومعرضة لأن يسلبها الله منه في أي وقت، فحب الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هو حب في الله أي هو من حب الله تعالى وكذلك حب المؤمنين.

ـ الإنسان إذا تفكر عرف أن الخالق لابد أن يتصف بكل الصفات الحميدة وحده وإلا لا يكون خالقا، وعرف أن المخلوق لابد أن يتصف بكل الصفات الذميمة وإلا لا يكون مخلوقا لأنه مصنوع وما عنده من صفات حميدة ليست نابعة من ذاته، فإذا عرف الإنسان ذلك معرفة حقيقية أحب الخالق لذاته بكل الحب، وأبغض جميع المخلوقات لذاتها ففي النهاية في غريب الأثر: (( {أله} في حديث وُهَيْب بن الوَرْد [إذا وقع العبد في أُلْهَانِيَّة الربّ لم يجد أحدأ يأخذ بقلْبه] هو مأخوذ من إلاهٍ ... وأصله من ألِهَ يألَهُ إذا تَحَيَّر. يُريد إذا وقع العبد في عظمة اللّه تعالى وجلاله وغير ذلك من صفات الربوبية وصرف وهمه إليها أبْغَض الناس حتى لا يميل قلبه إلى أحد ) ) [3] ، وفي تاج العروس: (( وفي حدِيثِ وهب بنِ الوَرْدِ:(إذا وَقَعَ العَبْدُ في أُلْهانِيَّةِ الرَّبِّ، ومُهَيْمِنِيَّة الصِّدِّيقِيْن ورَهْبَانِيَّةِ الأبْرارِ لم يَجِدْ أَحَدًا يَاخُذ بقَلْبِه) ، أَي لم يَجِدْ أَحَدًا يَعجبُه ولم يُحِبَّ إلاَّ اللَّهَ سبحانه، قالَ ابنُ الأثيرِ: هو فُعْلانِيَّة مِن ألِهَ يَالَهُ إذا تَحَيَّرَ، يُريدُ إذا وَقَعَ العَبْدُ في عَظَمَةِ اللَّهِ وجَلالِهِ وغيرِ ذلِكَ مِن صفَاتِ الرُّبُوبيَّةِ وصَرَفَ توهّمُه إليها، أَبْغَضَ الناسَ حتى ما يميلَ قلْبُه إلى أَحَدٍ )) [4] ، وفي غريب الحديث لابن قتيبة: (( أَلِهَ يَالَه إذا تحيِّر كأَنَّ القُلوب تالَهُ عند التفكّر في عَظَمة اللّه ... يقول: إذا وَقَع العبد في عَظمَة اللّه وجلاَله وغير ذلك من صِفات الرُّبُوبيَّة ... يقول: إذا وَقَع العَبْد في هذه الدَّرجَة لم يُعْجِبهُ أَحد ولم يُحبّ إلاّ الله عز وجلَّ َّ ) ) [5] .

ـ مقدار الحب المطلوب:

ـ الحب الذي يجعل الإنسان ضعيف أمام محبوبه مستكين له فيلغي رأيه فلا رأي له إلا ما يراه محبوبه فهو يجعل نفسه تحت تصرف محبوبه، فهذا هو الخضوع حبا للمحبوب، فهو بذلك يجعل المحبوب إلاها له، فإذا كان المحبوب الله فهو يعبده، وإذا كان المحبوب امرأة أو مال أو جاه فهو يعبد هواه من دون الله تعالى وذلك نفاق أكبر.

ـ إذا زاد حبك لشخص لدرجة أنك تطيعه فأنت فعلا تحبه، كذلك إذا وصل حبك لله إلى درجة أنك تطيعه حبا له فهذا هو الحب المطلوب وذلك من قوله تعالى (( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) ) [6] ، فحب

(1) البقرة: من الآية 165

(2) الشعراء: 98

(3) النهاية في غريب الأثر - (1/ 156)

(4) تاج العروس من جواهر القاموس - (36/ 322)

(5) غريب الحديث لابن قتيبة - (3/ 728 ـ 728)

(6) آل عمران:31

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت