لها، فالدنيا بالمقارنة بالآخرة لا تنفع ولا تضر فإذا توجهت مشاعر الإنسان وهمومه وأهدافه إلى الدنيا وانقطعت عن الآخرة فذلك يدل على حماقة الإنسان.
ـ فالخالق وقدرته والآخرة وخطرها والغيبيات وما بها كل ذلك أمور تثير في النفس كل المشاعر من الحب والخوف والفرح والحزن والرجاء وتشغل الهم، في حين أن الدنيا وما بها هي لحظات عابرة ينتقل منها الإنسان إلى الآخرة فذلك لا يثير في النفس شيئا من المشاعر، لكن عندما يموت الإحساس بالقيمة يموت الإحساس بخطورة قدر الله وقدرته وخطورة الآخرة والغيبيات ويموت الإحساس بضآلة الدنيا وبالتالي تنحرف المشاعر منقطعة عن الله والآخرة والغيبيات كأن ذلك لا قدر له ولا قيمة وتتعلق وتتفاعل بزينة زائلة من الحياة الدنيا لا قيمة لها.
3 ـ تتعطل الهموم والأهداف: فيكون مهموما بالدنيا التافهة وأمورها وتكون هي هدفه.
4 ـ يتعطل اللسان: فيتكلم بغير إحساس بقيمة ما يتكلم به، فكأنه يهذي ما يدري ما يقول، فهو يقول بأنه يوقن بالآخرة وهو لا يشعر بخطورة ما يقول، وينشغل لسانه بالكلام في أمور الدنيا التي لا قيمة لها.
5 ـ تتعطل الجوارح: فهو يعمل بغير أن يشعر بقيمة ما يعمله، فيعمل من أجل الدنيا التي لا قيمة لها، أو يعمل للآخرة ولكن بغير شعور بقيمة ما يعمله.
ـ إذن الغيبيات عبارة عن أمور خارقة للأسباب فهي معلومات مؤثرة جدا وبالتالي تستجلب الإحساس بالقيمة وتؤثر على مشاعر الإنسان وهمومه وأهدافه وعمله، فإذا لم يحدث ذلك فهذا معناه أن الإنسان رفضها استكبارا وتغافل عنها.
ـ فالعقيدة عبارة عن معلومات، والتعامل مع أي معلومة لا يكون فقط بالاقتناع والتصديق النظري، فلا يصح اعتقاد الإنسان حتى يتحقق الإحساس بالقيمة لحقيقة ما يعتقد وينشأ عن ذلك مشاعر وهموم وأهداف متعلقة بالله والآخرة، ولأن بعض كتب العقيدة تتناول العقيدة من جانب الاقتناع والتصديق النظري فقط، لذلك فهذا الكتاب الذي بين يديك الآن هو كتاب في العقيدة، لكنه لا يتناول العقيدة من ناحية الاقتناع والتصديق النظري فقط ولكن من جانب الإحساس بالقيمة لخطورتها ووجودها في مشاعر المؤمن وهمومه وأهدافه.
ـ إذن التعامل مع أي معلومة لا يتم فقط كمعرفة نظرية ويقين نظري، وإنما لابد من الإحساس بمقدار ما في المعلومة من أهمية وخطورة أو ألم ولذة، وبالتالي تكون المعرفة بهذه المعلومة معرفة حقيقية.
ـ فمثلا معنى كلمات: (إله) و (رب) و (الآخرة) و (الرسل) و (القرآن) و (الملائكة) و (القضاء والقدر) و (الموت) و (الدنيا) في اللغة وفي الشرع وفي العقل معروف وموجود عند الجميع، ولكننا لا نعرف معنى هذه الكلمات في المشاعر!!، فإن المعنى الذي يهم من معرفة أي شيء هو الشعور بمدى أهميته أو مدى قدره وقيمته أو مدى ما ينشأ عنه من نفع أو ضرر، وبالتالي مدى تأثيره على المشاعر، فكلمة الآخرة والسفر إليها تعني الشعور بالخوف والشعور بالغربة، وكلمة الخالق تعني أن هناك من له سيطرة وقدرة وتحكم فوق كل الناس والكون وهذا يعني الشعور بخوف المهابة وحب الانتماء إليه فيخضع له خوفا وحبا، وكلمة رب تعني أنه أوجدك وأقامك وأمدك بما تحتاج وهذا يعني حبه تعالى، وكلمة مخلوق تعني ضعف المخلوق ونقصه واحتياجه للخالق ليحيا ويقضي حاجاته وخضوعه لهيمنة الخالق وسيطرته، ولذلك فإن الذي يشعر بعظمة الله وقدره وقدرته فقط هو الذي قد عرف الله وعرف أنه مخلوق معرفة حقيقية وهو الذي يحب الله وهو الذي يجيب على سؤال القبر"من ربك؟"، فتكون وجهته في حياته إلى الله وهو الذي يجيب على سؤال"ما دينك؟"، وإن الذي يشعر بأن هناك رسالة نزلت من السماء إلى البشر لتقيم الحجة عليه فيشعر بهيبة الأمر ويحب الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هو الذي يجيب على سؤال"من نبيك؟"، أما الذي تنقطع مشاعره عن الله واليوم الآخر وتتوجه إلى الدنيا، فالدنيا والشهوة ربه ودينه.
ـ ومن هنا نعرف كيف وصف الله الكافرين والمنافقين بأنهم أغبياء لا يفهمون ولا يعقلون رغم أنهم مقتنعون نظريا بصدق الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فالكفار يعلمون الحق بعقولهم ويفهمونه جيدا بعقولهم لكن مشاعرهم تأبى الإذعان والاستسلام لذلك وبالتالي فمشاعرهم جاحدة مستكبرة: (( فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ) ) [1] ، (( وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ) ) [2] ، (( إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ ) ) [3] .
ـ ونستطيع أن نلخص ذلك بأنه لا يصح الإيمان بالله والآخرة والغيبيات إذا لم يكن لله والآخرة والغيبيات قيمة وقدر في شعور الإنسان، وإذا لم تتأثر مشاعره بخوف المهابة والحب وخوف العقاب ورجاء الثواب والخضوع، وإذا لم ينشغل همه بالله والآخرة وإذا لم يكن الله والآخرة أكبر أهدافه التي يسعى لها.
(1) الأنعام: من الآية 33
(2) النمل: من الآية 14
(3) غافر: من الآية 56