فهرس الكتاب

الصفحة 164 من 168

ـ الشعور بخوف المهابة من مدى ما في الجنة من أمور لذاتها العجيبة جدا والمذهلة والتي تفوق كل التصورات والانبهار بها والشعور بالشوق والحب للجنة والشعور بالأمل والرجاء فيها والشعور بالخوف من فواتها، والشعور بالصبر والترقب والانتظار للوصول إليها.

ـ فعندما يسمع الإنسان أن هناك شيئا فيه ألوان هائلة من المتع، فإنه يحب ذلك الشيء، فالجنة فيها كل ألوان المتع والملذات فإذا لم تشعر بلذة الحب للجنة، فهذا معناه أن اليقين الحقيقي بوجود الجنة غير موجود.

ـ الحب صورة من صور الشعور باللذة، فإذا لم يشعر الإنسان باللذة فهو لا يحب، فالحب عبارة عن متعة ولذة، فمن لم يجد في محبة الجنة متعة ولذة فهو لا يحب الجنة.

ـ وكثيرا من الناس يدعون حب الجنة والشوق إلى الحور العين فهل عندك نفس الحالة النفسية التي عند محب يشتاق إلى محبوبته؟، إذن فالحور العين لا وجود لها في مشاعرك، إنما فقط هي في الاقتناع النظري وليست في الشعور كأنها مصنوعة من البلاستيك وليست نساء جميلات.

ـ خوف المهابة لمدى عظم حجم النار وعظم آلامها، والشعور بالكراهية الشديدة للنار والاشمئزاز والضيق والألم والنفور عند تذكرها، والشعور بخوف العقاب من دخول النار، والشعور بالأمل والرجاء في النجاة منها، فمن لم يشعر بهذه المشاعر فهو لا يوقن يقينا حقيقيا بوجود النار.

ـ فأنت إذا ذهبت إلى قسم الحرائق بأحد المستشفيات ونظرت كيف تفعل النار في الجسم، بماذا تشعر؟، إنك تشعر بالتألم من فظاعة ومن مهابة الأمر، رغم أن الأمر لم يحدث لك أنت وليس فيه ضرر عليك، وكذلك إذا سمعت عن حادثة مروعة فيحدث تألم وخوف من رهبة الأمر وفظاعته، فإذا لم يحدث هذا التأثر فهذا معناه أنك لا تعي ولا تدرك حقيقة ما رأيت أو سمعت كأنك لم تسمعه ولم تعلمه.

ـ عدم وجود الحالة النفسية للطالب في الامتحان معناه عدم وجود اليقين الحقيقي بأن الدنيا دار اختبار، فإذا لم نكن نشعر بما يشعر به الطالب وهو في لجنة الامتحان، فهذا يعني عدم شعورنا بأننا نعيش في حالة امتحان، وهذا يعني عدم شعورنا بمجيء الآخرة وأنها دار الجزاء على امتحان الدنيا.

ـ وكذلك إذا لم نكن نشعر بما يشعر به الطالب وهو في لجنة الامتحان من وجود مراقبين ولجنة تصحيح تحدد له الدرجات لكل شيء فهذا يعني عدم شعورنا برقابة الله والملكين، وهذا يعني عدم شعورنا بوجود الله وبالملكين.

ـ وحيث أن هذا الامتحان خطير جدا، فلابد أن يكون شعور الطالب في لجنة الامتحان رهيب من القلق والحرص على وضع الإجابات الصحيحة، فإذا لم نكن نشعر بما يشعر به الطالب وهو في لجنة امتحان يترتب عليه مصيره، فهذا يعني عدم شعورنا بأننا نعيش في حالة امتحان، وهذا يعني عدم وجود الشعور بخطورة الآخرة، رغم وجود المعرفة النظرية التامة بأن الدنيا دار اختبار، ورغم وجود اليقين النظري التام بالآخرة.

ـ فالإنسان الذي يوقن يقينا حقيقيا بأنه في حالة اختبار فإنه يكون منتبها لذلك ومنتبها لرقابة الله والملكين فهذا التصور لا يفارق ذهنه، وينشأ عن ذلك مشاعر الخوف والقلق والترقب، ويشغل ذلك الأمر همه ولا يكون همه الأكبر لأمور الدنيا، ويكون هدفه الأكبر النجاح في الاختبار وليس تحصيل أمور الدنيا، وتكون مشاعره وهمومه وأهدافه المتعلقة بهذا الاختبار أكبر بكثير من مشاعره وهمومه وأهدافه المتعلقة بالدنيا، وينشأ عن ذلك أن يهتم بكل ما يخص هذا الاختبار عن كيفيته ومعرفة خطورته ولا يهتم بكل ما يلهي الإنسان عن هذا الاختبار، ويحب كل ما يعينه على هذا الاختبار، ويحب كل من يسعون للنجاح فيه، وينشأ عن ذلك أن يسارع الإنسان في الخيرات لأن كل شيء يتم تسجيله فورا، وطالما أن هذا الامتحان واقعا الآن وما زال مستمرا الآن وفي كل لحظة فلابد أن يستمر الخوف من مهابة الامتحان والخوف من نتيجته ورجاء النجاح فيه.

ـ ثانيا: أثر اليقين الحقيقي بالآخرة على العمل

ـ الإحساس بخطورة الآخرة يؤدي إلى الإحساس بخطورة الطاعات والمعاصي، فعندما يشعر الإنسان بقيمة المعصية أنها شيئا يضره فإنه يبتعد عنها، فعاقبتها أليمة في الآخرة والمتعة التي فيها ضئيلة وفانية، وعندئذ يعتبر المعصية من الحماقة والغباء والجهل، لذلك ترتبط المعصية بالجهل ونقص العقل، ففي تفسير التستري: (( قوله:(ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا) [119] قال سهل: ما عصى اللّه تعالى أحد إلا بجهل )) [1] ، لأن الذي يعصي الله أحمق فهو لا يعرف مصلحته وهو يأتي ما يضره فهو جاهل.

ـ فالإنسان يكون عنده يقين تام بأن المعصية ضرر له ورغم ذلك يقدم عليها لأن يقينه بضررها يقين نظري فقط فلا يشعر بخطورة هذا الضرر، فهو يتجاهل معرفته بضررها كأنه لا تضر، وكذلك يكون عنده يقين تام بأن الطاعة لها نفع كبير ورغم ذلك لا يؤديها لأن يقينه بنفعها يقين نظري فقط فلا يشعر بخطورة هذا النفع، فهو يتجاهل معرفته بنفعها كأنه لا تنفعه.

ـ والإحساس بخطورة ضرر المعصية يؤدي إلى كراهية المعصية وعدم القيام بها.

ـ وعندما يشعر الإنسان بقيمة الطاعة أنها شيئا ينفعه فإنه يسرع بالقيام بها، فثوابها عظيم في الآخرة، وعندئذ يعتبر الطاعة لمن كان له عقل، لذلك ترتبط الطاعة بالعلم والعقل، فيقول تعالى: (( أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ ) ) [2] .

ـ والإحساس بخطورة نفع الطاعات يؤدي إلى حب الطاعات والمسارعة في القيام بها.

ـ لماذا يقع الإنسان في المعاصي وهو مقتنع نظريا أنها حرام ومصدق أنها حرام؟: لأن الإنسان يعمل ما ينفعه ويبتعد عما يضره، فهو لا يشعر بأن ذلك الأمر فيه ضرر له يوم القيامة، ربما لأنه لا يشعر بيوم القيامة أساسا.

ـ فالوقوع في المعاصي ينشأ من ضعف اليقين بمدى ألم العقوبة على الذنب في الآخرة إذا لم يغفر أو يشفع (إيمانه ضعيف) أو ينشأ من غياب اليقين بمدى ألم العقوبة على الذنب في الآخرة إذا لم يغفر أو يشفع وذلك يعني غياب اليقين الحقيقي بالآخرة (نفاق أكبر) ، لأنه لو نظر إلى حجم الألم الشديد جدا في الآخرة أمام لذة ضئيلة جدا وتافهة لما وقع في الذنب.

ـ أنظر إلى الآيات: (( وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ، الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ، وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ، أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ، لِيَوْمٍ عَظِيمٍ، يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ) ) [3] ، أنظر إلى العلاقة بين تطفيف الكيل والميزان وبين الإيمان باليوم الآخر، فالآية تبين أنه لو كان هؤلاء يؤمنون فعلا بيوم القيامة ويشعرون بالحساب يوم الدين لما فعلوا ذلك.

ـ اليقين الحقيقي بالآخرة يؤدي إلى حب الطاعات وكراهية المعاصي لأنه يشعر بعظمة قيمة الطاعات ومدى نفعها ويشعر بسوء العاقبة للمعاصي، ففي الحديث: (( من سرته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن ) ) [4] ، فتؤدي الطاعات محبا لها، فالعمل الذي تؤديه عن حب تقبل عليه ويكون عملا مثمرا وناجحا، وتحس بالراحة بعده وأثناءه وإن كان عملا شاقا، فالذي يحب الرسم مثلا قد يظل طول الليل يرسم رغم أن جسده يتعب، لكنه سعيد مرتاح لأنه يعمل شيئا يحبه.

ـ عندما يشعر الناس بالآخرة ومدي النفع فيها للحسنات والسيئات فإنهم عندئذ سوف يشعرون بما تعنيه كلمة (حرام) وما تعنيه كلمة (فرض) أي يشعروا بمدي قيمة وخطورة هذه الأمور فتكون إستجابة الناس لكلمة (فرض) أو كلمة (حرام) سريعة، وهذا أيضا من الشعور بعظمة الله وبالتالي عظمة أوامره (( ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ ) ) [5] ، (( ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ) ) [6] ، ولذلك ففي الحديث: (( إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَأَنَّهُ قَاعِدٌ تَحْتَ جَبَلٍ يَخَافُ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ، وَإِنَّ الْفَاجِرَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَذُبَابٍ مَرَّ عَلَى أَنْفِهِ ) ) [7] ، فإن كلمة (حرام) في لغة الإقتناع النظري هي كلمة عادية لا يستقبلها الإنسان بمشاعر الكره والبغض، فلا مانع من أن يقع في أمر حرام وهو مقتنع نظريا بأنه حرام لأنه لا يوجد شعور بخطورة ما تعنيه كلمة (حرام) في الآخرة وفي حق الله العظيم لأنه لا يشعر بخطورة الآخرة وبقدر الله تعالى وبعظمة أوامره، كما أن مَنْ يشعر بقيمة الحسنات والسيئات فإن قطع نفسه أربا إربا في مرضاة الله سوف

(1) تفسير التستري ـ موافقا للمطبوع (ج: 1، ص: 93)

(2) الزمر: 9

(3) المطففين:1 ـ 6

(4) تحقيق الألباني: صحيح (انظر حديث رقم: 6294 في صحيح الجامع)

(5) الحج: من الآية 30

(6) الحج:32

(7) رواه البخاري: (6381)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت