يحقر ذلك ففي الحديث: (( لو أن رجلا يجر على وجهه من يوم ولد إلى يوم يموت هرما في مرضاة الله عز وجل لحقره يوم القيامة ) ) [1] وسوف يندم على أنه لم يستزد من الطاعة.
ـ إن الإنسان إذا شعر بالآخرة فتأثر بها فإن حياته كلها سوف تتغير بزاوية مائة وثمانين درجة، لأنه سوف يشعر بأن الحياة التي نعيشها الآن بكل ما فيها من الأعمال الضخمة هي حياة كاذبة ومجرد لعب ولهو مثل لهو ولعب الأطفال: (( وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآخرة لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ) ) [2] ، أما إذا ظل غافلا تلهيه الدنيا فغدا سوف يشعر بالآخرة حين لا ينفع الندم: (( يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي ) ) [3] .
ـ إن الذي لا يشعر بالآخرة يصعب عليه أن يسامح أحدا ظلمه لأنه لا يشعر بمدي أنه يأخذ حقه يوم الدين، كما أن الإنسان إذا شعر فعلا بالآخرة شعر بمدي قيمة الحسنات ونفعها فحرص عليها.
ـ إن الذي يشعر بالآخرة يكون إنسان أخروي ومن أثر ذلك أن تتغير حركته في الحياة فتكون أعماله وأخلاقه ومعاملاته بعيدة عن منافسة الناس على الدنيا وتحصيل شهواتها فيبدوا عمله مستغرب بين الناس لأنه يرى بعين الحقيقة ما لا يراه الناس، لأنه يرى الآخرة وما فيها من مغنم حقيقي يراها يقينا حقيقيا وغيره يراها يقينا كاذبا وهميا: (( إن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء ) ) [4] فمجال التفاهم عند بعض الناس هو الدنيا، وينظرون إلى الإسلام على ما فيه من الدنيا وأثره على الدنيا فحسب لأنهم لا يعرفون غير الدنيا، وحسابات الخسارة والمكسب عندهم هي خسارة الدنيا أو مكسب الدنيا، فلا يعرفون غير لغة المصالح، أما الذي يوقن بالآخرة يقينا حقيقيا فحسابات المكسب والخسارة مختلفة تماما وعكس حسابات الناس، فالدنيا عنده ضئيلة جدا أو لا قيمة لها لذلك فهو مستغرب عند الناس.
ـ إن الذي يشعر بالآخرة يشعر بأن الدنيا دار مؤقتة فلا يكون عنده طول أمل، يقول تعالى: (( ذَرْهُمْ يَاكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ) ) [5] .
ـ الدنيا ضئيلة بسبب وجود الآخرة ولأنها ضئيلة في حد ذاتها، ولأن العيش من أجل تحصيل لذاتها عقابه أليم في الآخرة، ولكن إذا لم يكن هناك آخرة فليس أمام الإنسان سوى الدنيا، فهو عندئذ يرى السعادة في الدنيا رغم أنها ضئيلة إلا أنه ليس أمامه غيرها، ولذلك فالذي لا يشعر بوجود الآخرة تكون الدنيا مزينة وكبيرة في عينه، وكذلك تكون الأعمال من أجل تحصيل الدنيا أعمال ضخمة وهائلة، ولذلك ففي التفسير الوسيط: (( إن الذين لا يؤمنون بالدار الآخرة وما فيها من ثواب وعقاب، زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ أى: حسناها لهم، وحببناها إليهم ) ) [6] ، فهو يرى العمل من أجل توفير أمور الدنيا له وللناس عظيم القيمة جدا، والتطور التكنولوجي هائل، في حين الآخرة ليست هائلة في نظره ولا تمثل شيء في مشاعره، ومن صور التزيين أن يبرر الإنسان لنفسه أعماله ومعاصيه، فما يعمله ليس سرقة وما يقوله ليس كذبا ويفلسف المبررات ويتفنن في ألوان النصب المبرر!، وفي تفسير البغوي: (( وإن يقولوا تسمع لقولهم فتحسب أنه صدق ) ) [7] .
ـ مَنْ كان عنده فعلا شعور بالجنة فإنه لا يستعجل بالحصول علي متع الدنيا الضئيلة ويصبر لأنه قريبا جدا يصل إلى متع بلا حدود في جنات النعيم، فإن كل من يريد المتع والشهوات ما عليه إلا أن يصبر ساعة، فالدنيا صبر ساعة وبعدها يجد أعظم المتع والشهوات في جنات النعيم: (( إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ) ) [8] .
ـ إن الذي ينظر إلى النساء لو كان يشعر فعلا بوجود جنس آخر من النساء هن أجمل وأقرب لما نظر.
ـ اليقين الحقيقي بالنار يؤدي إلى ترك المعاصي، لأن المعاصي إذا لم تغفر أو تشفع فإنه يدخل النار أولا حتى يتطهر من الذنوب.
ـ إن الذي يشعر بضآلة الدنيا وفناء متعها لا ينظر مثلا إلى النساء المتبرجات لأن زينتهن فانية ويتذكر حالهن وهن يعذبن في القبر، وهن في النار أين زينتهن عندئذ؟، وهكذا فالمعاصي سببها أنك تريد شيئا من حظوظ الدنيا ومتعها فإذا كنت تشعر بأن متع الدنيا ضئيلة فانية فلن تقدم على المعاصي.
(1) السلسلة الصحيحة (446)
(2) العنكبوت:64، ومعنى (الحيوان) أي الحياة الحقيقية.
(3) الفجر: 24، ومعنى (لحياتي) أي حياته الحقيقية في الآخرة.
(4) حديث صحيح (رواه ابن ماجه 2/ 1319 ـ برقم 3986)
(5) الحجر: 3
(6) التفسير الوسيط للقرآن الكريم (ج: 10، ص: 301)
(7) معالم التنزيل ـ الحسين بن مسعود البغوي ـ دار المعرفة ـ بيروت: (ج:4، ص: 348)
(8) الزمر: من الآية 10