فهرس الكتاب

الصفحة 135 من 168

ـ نحن مسافرون من كوكب الأرض في المجموعة الشمسية إلى أرض المحشر حيث نترك هذه الحياة المؤقتة على كوكب الأرض إلى الحياة الجديدة والإقامة الدائمة وتبدأ الرحلة من حيث الموت!، وتنتهي بالوصول إلى أرض المحشر ثم الانتقال إلى عالم المتع والشهوات (الجنة) أو المعيشة الدائمة داخل نار محرقة.

ـ الموت معناه تسليم الأمانة لصاحبها!، فالله هو المالك لكل شيء، فأنت تعيش في ملك الله وعلى أرض الله، والهواء الذي تتنفسه ملك لله، والشقة التي تسكن فيها هي ملك لله، وأنت نفسك وجسمك ويدك وزوجتك وأولادك ملك لله تعالى، وكل ذلك أعطاك الله إياه كأمانه يستردها في موعد محدد، هذا الموعد هو الموت، فالموت هو سلب لكل النعم، والابتلاء هو سلب لبعض النعم، فالموت معناه أن تترك كل شيء مالك وأهلك ووظيفتك وأعضاؤك وروحك التي تجعلك تتحرك، وكل ذلك ليس ملكا لك وإنما أمانة يستردها الله منك، فهذا هو معنى الموت، فمن عرف معنى الموت معرفة حقيقية فإنه لا يفزع من الموت لأنه إعطاء الأمانة لصاحبها وأنت محبا له لأنه جعلك تستفيد منها طوال هذه المدة التي عشتها في الدنيا.

ـ ولا يتحقق الإيمان بغير الإيمان بالموت ففي الحديث: (( لا يؤمن عبد حتى يؤمن بأربع: يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله بعثني بالحق، ويؤمن بالموت، ويؤمن بالبعث بعد الموت، ويؤمن بالقدر خيره وشره ) ) [1] .

ـ إن كل إنسان عنده اقتناع نظري تمام وبلا أدنى شك أنه سيموت ويترك كل شيء، لكن بلسان المشاعر فكأنما يقول: لن أموت أو لا أريد أن أموت، خاصة إذا كان صاحب جاه ومنصب ودنيا وممتلكات فكون أنه يموت ويكون تحت التراب فهذا في لغة المشاعر هراء ولا يمكن أبدا! (( وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ) ) [2] ، إن الإنسان لو شعر فعلا بالموت لشعر بالخوف والقلق وشعر بمدي ضعف الإنسان وشعر بأن هناك قوة أعلي من الإنسان هي التي تميته وتفعل به ما تشاء هي قوة الله تعالى، وشعر بالخضوع لمن له هذه القوة، ولتغير حاله تماما، كما أن الناس لو شعروا بالموت لما نظروا إلى أصحاب الجاه والمناصب والممتلكات نظرة تعظيم، ولكن الموت في مشاعر البعض كلمة عادية روتينية فلا يشعر بما تعنيه الكلمة من خطر، حيث كلمة الموت في لغة المشاعر تعني فقدان كل شيء وتعني ذهاب عن الدنيا بلا رجعة، إن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يأمرنا بالذهاب إلى المقابر لا لنعرف ونقتنع بأننا سنموت فكل إنسان علي اقتناع نظري تام بالموت ولكن لنشعر بالموت ونتصوره، إن الإحساس بخطورة الموت يؤدي إلى شعور بضآلة الدنيا وشعور بغباء مَنْ يسعى لها، فأيهما يفضل الإنسان ويريد؟ حياة الدنيا أم حياة الآخرة؟: (( فَأَمَّا مَنْ طَغَى، وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَاوَى ) ) [3] ، كما أن الذي يشعر بالموت لا يهمه كل مصائب الدنيا لأنها أقل من مصيبة الموت، ولأن مصائب الدنيا تعني ترك جزء مما تملك من صحة أو مال أو ممتلكات .. إلخ، أما الموت فهو ترك كل شيء، إذن سواء تركت شيئا مما تملك في حياتك أم لم تترك فالنهاية واحدة هي أنك تترك كل شيء عند الموت، فهذا يعني عدم الاكتراث وعدم السخط والغضب علي مصائب الدنيا، والذي يوقن يقينا حقيقيا بالموت فإنه يعيش حياته يعبد الذي يميته: (( قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ ) ) [4] ، فهناك من وضع للإنسان شيء اسمه الشيخوخة لكي يعلم الإنسان أنه لا يمكن أن يخلد في الدنيا وأن هناك من قدًّرَ عليه الموت: (( وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلا يَعْقِلُونَ ) ) [5] ، ومهما حاول الإنسان التغافل والهروب عن الحقيقة والمصير القادم، فإنها أيام قصيرة وغدا اللقاء رضي أم لم يرضى، شعر بذلك أم لم يشعر، وقد سبقه الكثير إلى هناك ولكن من عنده مشاعر يحس بها؟ (( إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ ) ) [6] ، وإنه غدا تنتهي الحياة فماذا أنت صانع؟.

ـ والموت يسمى هاذم اللذات لأن من يشعر بأنه سيموت يوما ما فإن حياته وما فيها من متع ولذات سوف تتكدر، وفي الحديث: (( أكثروا ذكر هاذم اللذات الموت ) ) [7] ، فكيف يفرح الإنسان بشيء هو مفارقه، فهو مفارق لكل النعم: (( ومهما طاب قلبه بشيء من الدنيا ينبغي أن يتذكر في الحال أنه لابد له من مفارقته، نظر ابن مطيع ذات يوم إلى داره فأعجبه حسنها ثم بكى فقال والله لولا الموت لكنت بك مسرورا ولولا ما نصير إليه من ضيق القبور لقرت بالدنيا أعيننا ثم بكى بكاء شديدا حتى ارتفع صوته ) ) [8] ، وفي الحديث: (( استحيوا من الله حق الحياء قال قلنا يا رسول الله إنا نستحيي والحمد لله قال ليس ذاك ولكن الاستحياء من الله حق الحياء أن تحفظ الرأس وما وعى والبطن وما حوى ولتذكر الموت والبلى ومن أراد الآخرة ترك زينة

(1) تحقيق الألباني: صحيح (صحيح الجامع برقم 7584)

(2) البقرة: 96

(3) النازعات: 37

(4) يونس: من الآية 104

(5) يّس: 68

(6) قّ: 37

(7) تحقيق الألباني: صحيح (صحيح الجامع: برقم 1210)

(8) إحياء علوم الدين ومعه تخريج الحافظ العراقي (ج: 7، ص: 141)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت