فهرس الكتاب

الصفحة 134 من 168

ـ الإنسان عندما يذهب إلى الآخرة فيعيش حياة القبر ثم يعيش أهوال يوم الحساب ثم يعيش الحياة في الجنة أو في النار، الإنسان في أي مرحلة من هذه المراحل يرى أيام عمره في الحياة الدنيوية ضئيلة وحقيرة ويندم على ما كان عليه من اهتمام بهذه الحياة المؤقتة على كوكب الأرض وهي لا تساوى شيئا ويتحسر على تفريطه.

ـ قيمة الحياة الدنيوية بين من يعيش في الدنيا من أجل الآخرة وبين من يعيش في الدنيا من أجل الدنيا:

ـ المؤمن يعيش الحياة الدنيوية وكل نظره على الآخرة وكل شيء يقيسه على أساس قيمته في الآخرة، فهو يرى المتمتع بهذه الحياة ويعيش في شهواتها على أنه غير متمتع بل أنه يورد نفسه موارد الهلاك لأن هذه المتع تنقلب عليه عذابا فضلا عن أنها في حقيقتها متع ضئيلة زائلة مؤقتة، وهو يرى المعصية التي فيها لذة هي في الحقيقة فيها عذاب لأنها تجره إلى ألم شديد في الآخرة.

ـ المؤمن يحدث دائما في ذهنه تصور عن الآخرة مرات عديدة في يومه وليله، فهو مشغول بالآخرة باستمرار، فالمؤمن يعيش الآخرة وهو في هذه الحياة المؤقتة على كوكب الأرض، أما الذين يعبدون هذه الحياة المؤقتة ويعبدون أهواءهم فيحدث دائما في ذهنهم تصور عن هموم هذه الحياة المؤقتة ومشاغلها وما يتعلق بالمال أو الشهوات أو المظاهر مرات عديدة في يومه وليله، فهو مشغول بهذه الحياة المؤقتة باستمرار.

ـ قيمة هذه الحياة الدنيوية بين إنسان عاد من الآخرة إلى الدنيا وبين من يعيشون في الدنيا اليوم:

ـ تصور لو أن رجلا عاد من الآخرة إلى الناس ماذا يمكن أن يقول لهم؟ إنه سوف يجد الناس يعتبرون هذه الحياة الدنيوية معيشتهم وأن حياتهم هنا في هذه الحياة، ويجد أمورا يراها الناس عظيمة جدا مثل أمور التقدم والتكنولوجيا الهائلة لكنه يراها لعب بالمقارنة بأمور الآخرة.

ـ لو أن إنسان مات منذ سنين وبلي جسمه ثم أخبروك أنه سوف يقوم حيا يسعى إليك وتراه وتتحدث معه، إنه أمر مرعب يجعلك ترتعد وتخاف، وسبب هذا الرعب أن ذلك الأمر خارق للأسباب، إن هذا الأمر سوف يحدث بالفعل لجميع الناس ولكن أنت ستكون واحدا من هؤلاء الذين يقومون بعد أن ماتوا وفنيت أجسامهم، إن هذا الأمر حقيقة فعلية وقادمة قريبا فلماذا لا تصاب بالخوف من مهابة هذا الأمر ولماذا لا تنشغل به؟، ذلك لأن قضية البعث ليس لها قيمة في مشاعرك فأنت غافل عنها كأنها لن تحدث على وجه الحقيقة.

ـ بل إنك كنت ميتا ثم أحياك الله، فكنت نطفة ميتة لا روح فيها في رحم أمك ثم نفخ الله فيك الروح فأصبحت حيا، وهذا ما تراه كل يوم لجميع الناس حيث يخلق الله الأطفال في الأرحام وينفخ فيها الروح، إن ذلك أشد عجبا وغرابة وليس سحرا ولكنه حقيقة وخرق للأسباب، فلماذا لا تشعر بالتحير والتعجب من مدى عظمة الخالق وقدرته فتشعر بالاستسلام والخضوع لقدرة الله: (( كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) ) [1] ، وتشعر بضعفك وضآلتك حيث يفعل الله بك ما يشاء فيحييك ثم يميتك ثم يحييك: (( قُتِلَ الْإنسان مَا أَكْفَرَهُ، مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ، مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ) ) [2] .

ـ والزروع تراها أمام عينك بذور ميتة تتحول إلى أشجار حية تتنفس وتكبر ثم تموت، فإذا لم يؤثر كل هذا في الإنسان فيشعر بالرهبة من أمر البعث وخطورته ويشعر بالخضوع والاستسلام لله، فهذا معناه أن الإيمان بالبعث هو إيمان نظري فقط وليس إيمانا حقيقيا.

ـ فلو أن إنسان وضع في يده حفنة من التراب ثم قال لك انظر إلى هذا التراب فلما نظرت إليه وجدته يتحول إلى برتقالة!، إنك تقول إن هذا الإنسان ساحر، إن هذا الأمر يحدث بالفعل ولكن الساحر هنا ليس إنسان ولكنه بذرة البرتقال حيث تستطيع بذرة شجرة البرتقال أن تستخدم تراب الأرض وتحوله إلى برتقال!، وهكذا كل النباتات والزروع، وفي الحقيقة فإن بذرة البرتقال ليس لديها القدرة على عمل ذلك ولكن هناك قوة خارجية خفية هي التي تمكن بذرة البرتقال من هذا العمل.

ـ فالتراب الذي هو جماد تحول إلى كائن حي (نبات) : (( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ) ) [3] .

(1) البقرة: 28

(2) عبس: 17 ـ 19

(3) العنكبوت: 63

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت