ولا يشعر أنه هو نفسه ملك لله تعالى، ولذلك علمنا الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن نقول إذا توفي أحد: (( لله ما أخذ وما أعطى وكل شيء عنده إلى أجل ) ) [1] .
ـ فيجب أن يشعر الإنسان بقيمة الماء الذي يشربه فهو محض نعمة عظيمة من الله على العبد ولكننا لا نشعر بعظمة النعم واحتياجنا إليها وأنها محض تكرم من الله وأنها ليست ملكا لنا ولا حقا لنا ففي الحديث: (( لما نزلت {ثم لتسألن يومئذ عن النعيم} قال الزبير وأي نعيم نسأل عنه وإنما هو الأسودان التمر والماء قال أما إنه سيكون ) ) [2] أي سيكون من النعيم أن تسأل عن هذا التمر والماء، وفي الحديث: (( يؤتى بالعبد يوم القيامة فيقال له ألم أجعل لك سمعا وبصرا ومالا وولدا وسخرت لك الأنعام والحرث وتركتك ترأس وتربع فكنت تظن أنك ملاقي يومك هذا فيقول لا، فيقول له اليوم أنساك كما نسيتني ) ) [3] ، وفي حديث آخر: (( ... فيقول أي فل ألم أكرمك وأسودك وأزوجك وأسخر لك الخيل والإبل وأذرك ترأس وتربع فيقول بلى أي رب، فيقول أفظننت أنك ملاقي فيقول لا، فيقول إني أنساك كما نسيتني ... ) ) [4] .
ـ والإنسان يظن أن ما به من روح هو أمر عادي وأن هذه الروح ملكا له وبها حياته الخاصة.
ـ الإنسان لا يملك سمعه ولا بصره: (( قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأمر فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ ) ) [5] .
ـ المالك يعني أن الله له ملكية كل شيء، فإذا ما تنازل الإنسان عن كل ما يملك وعن نفسه لينسب ذلك إلى الله المالك الحقيقي فيشعر أن ذلك محض تكرم وإنعام من الله فيحبه ويذل لعطاءه مدين له بالولاء مرهونا وأسيرا لفضله منكسر النفس غير حر لأنه عنده النقص والعوز معترفا بذلك غير قادر على أن يقيت نفسه (فالله هو المقيت أي الذي يعطيه القوت) والله يمده باللقمة التي يأكلها وهو أسير وعبد لإحسانه منكسر المشاعر يشعر بالعجز أمامه ويشعر بأنه ما له حول ولا قوة، ومن هنا يحدث كمال الحب والخضوع لله، كما أن المالك يفعل فيما يملك ما يشاء فله حق الأمر والنهي، وقد جاء في تفسير معنى (إنا لله) في الآية: (( الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ) ) [6] أي: (( علموا أنهم ملك لله يتصرف في عبيده بما يشاء ) ) [7] وبالتالي الخضوع لأمر الله ونهيه.
ـ صعوبة الشعور بأن الله هو المالك:
ـ ما يملكه الإنسان من ممتلكات يمثل حياة الإنسان وراحته ويجد فيها متعه وشهواته، وبالتالي أصعب شيء على الإنسان هو أن يتجرد من كل ما يملك لينسبه إلى مالكه الحقيقي وهو الله سبحانه (أي الشعور بأن الله هو المالك) كما يتجرد من كل الصفات التي يعتز بها كالقوة والإرادة والسمع والبصر لينسب كل الأشياء إلى مالكها الحقيقي وهو الله سبحانه، أي ينسب الإنسان لنفسه كل صفات النقص والعوز والعجز والحاجة والضعف، وينسب كل صفات الكمال لله، وهذا معناه النقص والضعف والاحتياج إلى الله، والنفس لا تريد أن تكون تابعة لغيرها، تريد أن تكون مستقلة متحررة ذاتية معتمدة علي نفسها لا معتمدة علي غيرها (الله) فلا تريد أن يكون فيها نقص أو عوز، كما تريد أن تكون مالكة تدير نفسها وترزق نفسها، والإنسان يظن أنه غير محتاج لغيره، والله هو الصمد أي الذي يحتاجه الناس، والنفس لا تريد أن تخضع وتركع لمن يمن عليها ولمن له قدرة عليها كما ترفض أن تعترف بعجزها أمام من هو أقوى، فالنفس تريد أن تتصرف كما لو كانت هي التي أوجدت نفسها أو أنه لا أحد أوجدها، رغم أنه في الاقتناع النظري تعلم بأن لها خالق: (( أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ ) ) [8] ، فالنفس تريد أن ينصرف الذهن والقلب لها لا لغيرها، والإنسان يظن أنه هو الذي يملك ويظن أنه هو العليم الحكيم الذي يستطيع أن يدير نفسه بنفسه، ولا يحتاج لعلم غيره وهو بذلك لا يشعر بأن الله هو الصمد (الصمد أي الذي يحتاج إليه الناس في كل شيء) .
ـ الله هو المالك سواء في الدنيا أو في الآخرة فهو المالك دائما وأبدا (( مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ) ) [9] ، (( فَلِلَّهِ الآخرة وَالْأُولَى ) ) [10] ففي الآخرة أيضا لا أحد يملك شيئا فالجنة والنار ملك لله تعالى، وما يعطيه الله لأهل الجنة هو عطاء من عنده وليس ملكا لهم وليس يأخذونه كحق لهم ليملكوه نظير عملهم، والله يفعل بملكه ما يشاء، فانظر إلى الآيات: (( أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ ) ) [11] فالجنة رزق ومحض إنعام وتكرم، وفي الحديث: (( لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا عَمَلُهُ الْجَنَّةَ، قَالُوا وَلاَ أنت يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: لاَ، وَلاَ أَنَا إِلاَّ أَنْ يَتَغَمَّدَنِى اللَّهُ بِفَضْلٍ وَرَحْمَةٍ ... ) ) [12] ، ولن يأتي أحد في الجنة ويقول هذا القصر إنما أوتيته علي علم وهو ملك لي، فإنما هو نعمة من الله وملك لله، وبالتالي فأصحاب الجنة يظل عندهم الخضوع والحب والذل لله مثل الملائكة وكل شيء، أما أهل النار فلم يكن عندهم الحب والخضوع لله تعالي فهذا جزاؤهم، إن معني أن الله هو المالك وأن الإنسان لا يملك شيئا هو أن يتنازل الإنسان عن كل شيء يملكه (يتنازل عن نفسه وممتلكاته وأهله وكل شيء) وينسبه إلى الله وهذا هو أصعب شيء علي الإنسان، فالنعم فيها متع للإنسان، كما أن التنازل عن كل شيء معناه الاستسلام والشعور بالخضوع والذل لمَنْ يملك روحك، وأن تقبل الذل في أن ما عندك إنما هو محض تكرم وإنعام ومنة من الله عليك.
ـ من أهم المشاعر الناشئة عن اليقين الحقيقي بأن الله هو المالك هو عدم الخوف من أي ابتلاء ولو فقد كل شيء دفعة واحدة لأن الإنسان إذا فقد شيئا لا يخصه ولا يملكه لم يبكي عليه، فما عنده من أمانة يأخذها صاحبها وليست تضيع منك، لأنها تكون تحت تصرف صاحبها سواء بقيت معك أو أخذها منك، أما إذا حزن الإنسان على فقد أشياء من ممتلكاته المزعومة سواء من صحته أو ماله أو وظيفته أو أسرته ولم يرضى فهذا يدل على أنه يوقن بأن هذه الأشياء ملكا له ولا يوقن بأن الله هو المالك ولا يوقن بالقضاء والقدر ويدل على عدم رضاه عن أفعال الله رغم يقينه النظري التام بأن الله هو المالك وبالقضاء والقدر وبأن الإنسان لا يملك شيئا، وإذا كان عنده حزن لكن رضاه أكبر من حزنه فهذا يدل على أن يقينه بأن الله هو المالك موجود ولكنه ضعيف ناقص، وإذا اختفى حزنه كان يقينه بأن الله هو المالك يقينا كاملا تاما، فالمؤمن يجب أن يكون يقينه تام فلا يحزن لفقد شيء إلا أن يكون حزن في الله أي يحزن على فقد شيء لكونه يحرمه من طاعة مثلا (ويستثنى من ذلك المشاعر الجبلية الفطرية التي هي خارج إرادة الإنسان) .
ـ الله سبحانه لا يسأل عما يفعل: (( لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ ) ) [13] ، ففي تفسير البحر المديد: (( {عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ(30) وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} ؟ أي: أيُّ شيءٍ أراد بهذا العدد المستغرَب استغراب المثل؟ .. أو: أيُّ حكمة في جعل الملائكة تسعة عشر، لا أكثر أو أقل؟ )) [14] ، إذن فلابد من الشعور بالتسليم والرضا بما أراد الله وقدر لكل شيء ولكل واحد من رزق وأجل، وفي الحديث: (( إن الله تبارك وتعالى يبتلي عبده بما أعطاه فمن رضي بما قسم الله عز وجل له بارك الله له فيه ووسعه ومن لم يرض لم يبارك له فيه ) ) [15] ، فكل الأمور وكل شيء يخضع لهيمنة الله وسيطرته خضوعا كاملا وسيطرة كاملة، فأنت وكل شيء خاضع لهيمنة الله وسيطرته الكاملة، وعلى الناس تنفيذ مراد الله منهم، والله لا يُسأل لماذا؟ ولا يحاسبه أحد، لماذا هذا ولماذا هذا؟، كما أن الله هو الذي خلق عقولنا وأفهامنا التي نفهم بها وخلق الأسباب التي نتعامل بها، والله فوق الأسباب والناس مقهورون تحت سلطانه، ولا يفهمون إلا ما أفهمهم الله، ولا يعلمون إلا ما علمهم الله، إذن فالشعور بالرضا بالقضاء والقدر معناه كمال الخضوع لله، فمَنْ لم يشعر بكمال الخضوع والاستسلام لله، فهو لا يشعر بالرضا الكامل بسلطان الله علي كل شيء وتحكمه في كل شيء وهيمنته علي كل شيء وأي شيء، أي لا يشعر بالرضا بقضاء الله وقدره، وإن كان مقتنعا نظريا تماما بقضاء الله وقدره سبحانه.
ـ إن الشعور بهيمنة الله تعالى على كل شيء يؤدي إلى أن يخضع العقل والقلب لله، فمقياس الصواب والخطأ ليس العقل وإنما الله من خلال شرعه وأمره، ومقياس ما يجعل الإنسان يفرح أو يحزن هو ما وافق أو خالف أمر الله، أما مَنْ لا يشعر بالخضوع لهيمنة الله تعالي فمقياس الصواب والخطأ عنده هو عقله ورأيه فهو يعبد عقله، ومقياس ما يجعله يفرح أو يحزن هو شهواته ودنياه فهو يعبد هواه: (( أَرَأيتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأنت تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا ) ) [16] .
ـ إن مفهوم القضاء والقدر يعني أن كل شيء مكتوب في اللوح المحفوظ، وأن العبد له مشيئة مقيدة، فمشيئة العبد وإرادته واختياره هي جزء من قدَرِ الله الذي كتبه، وأعمالنا مخلوقة وكل ما نصنعه وما نبنيه هو مخلوق لله (( وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ) ) [17] ، وهذا يعني الشعور بالاستسلام والانقياد والخضوع لله والشعور بالرضا والصبر والإحساس بقدر عظمة الله في هيمنته وتحكمه في كل شيء، فكل شيء سواء كان أو سيكون فهو وفق مشيئته، فالله بيده الأمر كله، وكل الناس علي اقتناع
(1) قال الشيخ الألباني: صحيح (سنن أبو داود ج: 3، ص: 193، برقم 3125)
(2) قال الشيخ الألباني: حسن (سنن ابن ماجة، ج: 2، ص: 1392، برقم 4158)
(3) تحقيق الألباني: صحيح (صحيح الجامع: برقم 7997)
(4) تحقيق الألباني: صحيح (صحيح الجامع: برقم 7032)
(5) يونس: 31
(6) البقرة: 156
(7) تفسير القرآن العظيم ـ إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي ـ دار الفكر ـ بيروت (ج: 1، ص: 198)
(8) الطور: 35
(9) الفاتحة: 4
(10) النجم: 25
(11) الصافات: 41
(12) رواه البخاري (5735)
(13) الأنبياء: 23
(14) البحر المديد ـ موافق للمطبوع (8/ 272)
(15) حديث صحيح (السلسلة الصحيحة: ج: 4، ص: 215، برقم: 1658)
(16) الفرقان: 43
(17) الصافات: 96