فهرس الكتاب

الصفحة 158 من 168

رواية أخرى: (( تجشأ [1] رجل عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال كف عنا جشاءك فإن أكثرهم شبعا في الدنيا أطولهم جوعا يوم القيامة ) ) [2] ، كما أن الإنسان في الدنيا هو عابر سبيل، وعابر السبيل لا يهتم كثيرا بالطعام والشراب فالشخص المسافر يأكل (سندوتشات) مثلا أثناء سفره، ولا يهتم كثيرا بنوعية الطعام أو بترتيبه وإعداده، فالطعام عنده مجرد لقيمات يسد بها جوعته، ولذلك ففي الحديث: (( كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل ) ) [3] .

ـ الشيطان يزين للإنسان بأن الفارق بين الأطعمة المختلفة كبير جدا، رغم أنه من له بصيرة لا يرى فارق كبير، كما أن الشيطان يزين للإنسان أن يأكل من أجل اللذة، أما من له بصيرة فهو يأكل إذا جاع ويأكل فقط ما يسد جوعته لا أكثر.

ـ كما أن الطعام القليل والطعام الضئيل في قيمته الغذائية يقلل من الشهوة، وهذا أمر مطلوب، أما الطعام عالي القيمة الغذائية فيزيد من الشهوة، والطعام عالي القيمة الغذائية إذا وجد فهو أفضل لكن لا يكثر منه.

ـ فالمعدة عبارة عن خزان يمتلئ ليفرغ ويفرغ ليمتلئ، وهذا ما يؤكده الحديث: (( ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطنه ) ) [4] فالمعدة مجرد وعاء يملأه الإنسان ليفرغ ويفرغ ليمتلئ، وهو أسوأ وعاء لأنه كلما امتلأ فرغ ما به وتحول إلى براز يحمله الإنسان في بطنه طوال ليله ونهاره ويخرج منه كأقذر شيء!.

ـ الطعام عند المؤمن هو مجرد شيء يسد الجوف غير مبالي كثيرا بنوعه ولا بكميته فالأطعمة متقاربة في عينيه وهذا يجعل شعوره بالشبع يتم بعد قليل من الطعام يسد جوفه، أما الذين يتبعون الشهوات فعندهم تزيين لحجم شهوة الطعام وقيمته ونوعه فهو يعطل الشعور بالجوع والشبع الطبيعي الذي يتم في الإنسان لكي يأخذ الإنسان ما يحتاجه فقط فيتأخر الشعور بالشبع عنده، ولذلك ففي الحديث عن أي هريرة رضي الله عنه: (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضافه ضيف كافر فأمر له رسول الله صلى الله عليه وسلم بشاة فحلبت فشرب ثم أخرى فشربه ثم أخرى فشربه حتى شرب حلاب سبع شياه ثم أصبح من الغد فأسلم فأمر له رسول الله صلى الله عليه وسلم بشاة فحلبت فشرب حلابها ثم أمر له بأخرى فلم يستتمها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤمن يشرب في معي واحد والكافر يشرب في سبعة أمعاء ) ) [5] .

ـ ثالثا: الإحساس بضآلة شهوة المظاهر في حد ذاتها

ـ شهوة المظاهر تنشأ من غرور الإنسان بنفسه وعدم الإحساس بقدر ضعف الإنسان، وينشأ عنها العجب وحب النفس وحب المظاهر والكبر والحسد ... الخ، والتكبر على الناس وحب المظاهر والتعالي عليهم وعدم محبة الخير لهم وتمني زوال ما عندهم، وكالتفاخر بالأولاد والزوجات والأقارب والممتلكات والأموال وغير ذلك.

ـ والإنسان ضعيف أمام الخالق وفي حد ذاته (وقد أوضحنا ذلك بالفصل الثاني تحت بند"العلاقة بين اليقين الحقيقي بالله واليقين الحقيقي بضعف الإنسان") ، وكيف يتكبر الإنسان على ضعفاء مثله فجميع الناس ضعفاء لا يملكون شيئا!، فبماذا يتكبر إذا وهو لا يملك شيئا!، فالله وحده هو المالك لكل شيء وبالتالي فهو المتكبر على الناس بما يملك.

ـ شهوة المظاهر في الجنة هي الثياب الحرير ومظهر القصور الفخمة والولدان المخلدون وغير ذلك، ولكن شهوة المظاهر بمعنى التكبر على الناس بأي شيء فهي غير موجودة في الجنة ولا يجب أن تكون موجودة في الدنيا لأن جميع الناس فقراء لا يملكون شيئا والله وحده المالك: (( فَلِلَّهِ الآخرة وَالْأُولَى ) ) [6] ، (( مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ) ) [7] ، لذلك يستمر خضوع المؤمنين لله في الدنيا وفي الآخرة وفي الجنة وكذلك خوف المهابة وحب الله تعالى.

الفصل الخامس

أثر اليقين الحقيقي بالآخرة

(1) هو خروج صوت من الحلق يدل على الشبع وبالعامية أي (تكرع)

(2) قال الشيخ الألباني: حسن (ج: 4، ص: 649، برقم: 2478)

(3) السلسلة الصحيحة (1157)

(4) تحقيق الألباني: صحيح (صحيح الجامع برقم: 5674)

(5) قال الشيخ الألباني: صحيح (جامع الترمذي ج: 4، ص: 267، برقم 1819)

(6) النجم: 25

(7) الفاتحة: 4

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت