مقتنعون نظريا بلقاء الله وكانوا يريدون الجهاد في سبيل الله، ولكن لا يكفي أبدا أن يتحمل أحد ويصبر لمجرد اقتناعه نظريا بلقاء الله، ولكن فقط مَنْ يشعر بلقاء الله فإنه يتحمل.
ـ المراقبة والإحسان هي درجات عالية من الشعور بوجود الله وما ينشأ عن ذلك من درجات عالية من العبادة والطاعة، لذلك قال عامر بن عبد القيس رحمه الله: (( لو كُشِف الغطاء ما ازددت يقينًا ) ) [1] ، وقال آخر: (لو رأيت الجنة والنار ما ازددت يقينًا) .
ـ مفهوم الشعور بأن الله هو السميع البصير العليم الرقيب:
ـ هناك فرق بين الاقتناع النظري بأن الله سميع عليم رقيب، وبين الشعور بأن الله يسمعك الآن ويراك، فتخيل أن هناك كاميرات سرية موضوعة لك في كل مكان وأنت يتم رصدك وتسجيل كل تصرفاتك وحركاتك وسكناتك بل وما تفكر فيه، ألا تشعر بالخوف والقلق فإن الله يسمعك ويراك ويراقبك، إذن لابد أن تشعر أن أحدا ما يراقبك ليلا ونهارا ويري كل ما تفعله وهذا معناه أن تظل هذه المراقبة علي بالك وفي همك دائما، فإذا لم تشعر بأنك مراقب فهذا يعني أن شعورك بأن الله سميع وبصير غير موجود، وإن كنت علي اقتناع نظري تام بأن الله سميع وبصير.
ـ إذا لم يتحقق الإحساس بقدر الله، فلن يشعر الإنسان بقيمة رؤية الله له، لأن قدر الله عنده مثل قدر أحد من الناس فجعل رؤية الله له مثل رؤية أحد من الناس له، وفي هذا استهزاء بقدر الله تعالى (وهذا نفاق أكبر) .
ـ كل الناس مسلمين وكافرين يوقنون بأن الله عليم بكل شيء: (( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ ) ) [2] ، ولكن هذا عند بعض المسلمين ليس إلا يقين نظري فقط فهم غافلون غير منتبهين لخطورة أن الله العظيم يعلم ما يفعلونه، فحقيقة اليقين عند هؤلاء هو أن الله لا يعلم كثيرا مما يعملون: (( وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ(22) وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ )) [3] ، فهم غافلون عن نظر الله إليهم لأن الإنسان لو كان منتبها لعلم الله بما يصنعه ما وقع في الذنوب، ففي الحديث: (( لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولكن التوبة معروضة ) ) [4] ، فالمعاصي تحدث لغياب الإحساس بقدر الله (وهذا نفاق أكبر) أو لضعف الإحساس بقدر الله تعالى (والإيمان هنا موجود لكنه ضعيف) ، والله هو الذي يعلم هل هذه المعاصي ناشئة من غياب أم من ضعف الإحساس بقدره سبحانه.
ـ عندما تتفكر في مدى الدقة المتناهية في مقادير الأشياء بحيث لو نقصت أو زادت ولو بمقدار ذرة حدث خلل كبير، فوظائف الكون وحركته ووظائف جسم الإنسان والكائنات كلها مصممة بمنتهى الدقة، فهذا يدل على حكمة عالية جدا وعلم كبير جدا فوق مستوى الخيال، وإدارة عجيبة جدا لكل هذه الأشياء معا في نفس الوقت وفي كل لحظة، فالذي خلق الأشياء بهذه الدقة والتفصيلات لابد أن يكون سميعا بصيرا عليما وحيا فالذي يصنع شيئا (مروحة مثلا) لابد أن يكون لديه علم وحكمة بهذا الشيء، ولو تركت الأشياء بدون تدبيرها وتصميم عملها وإدارتها للحظة واحدة لفسدت: (( إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا ) ) [5] ، فهو قيوم السماوات والأرض، فلا يغفل عن تدبير شئون الكون لحظة واحدة، لأنه لو غفل لحظة لصرنا عدما ولتلاشينا ولم يبق للكون أثر.
ـ مفهوم أن الله هو المالك:
ـ إن هذا الكون الهائل لابد له من خالق، والذي يخلق شيئا فإنه يملكه، إذن فهو المالك، هذه المعلومة البسيطة لا نتعامل معها كمعرفة نظرية ولكن نعرفها معرفة حقيقية حيث يحدث إحساس بالقيمة لخطورة هذه المعلومة وخطورة ما تعنيه، لأن هذا يعني أن عقود التمليك التي عندنا في الدنيا مجازية للتعامل بيننا في الدنيا فقط وليست عقود حقيقية لأنه في الحقيقة لا أحد
(1) أعمال القلوب ـ خالد السبت (ج: 1، ص: 117)
(2) الزخرف: 9
(3) فصلت: 22، 23
(4) قال الشيخ الألباني: صحيح (جامع الترمذي ج: 5، ص: 15، برقم 2625)
(5) فاطر: 41