فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 168

يملك شيئا فالله هو المالك لكل شيء وإنما هي أمانة وعارية ملك لله ويستردها الله منا وقتما يشاء، لذلك فمَنْ اعتقد أنه يملك شيئا ملكا حقيقيا فقد أشرك: (( لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ) ) [1] ، (( وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ) ) [2] ، (( أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ ) ) [3] ، (( وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ ) ) [4] .

ـ إن كل ما عندك وكل ما معك من مال ومسكن وزوجة وأولاد ومنصب وجاه وكل النعم وكل شيء ملكا لله تعالى بل أنت نفسك ملكا لله، لأن الذي خلق شيئا فهو يملكه، وكذلك كل ما يكتسبه الإنسان من تكريم ومن أفضلية ومن سمع ومن بصر وإرادة وعقل وقدرات، ولكن الإنسان يظن أن ما به من يد وعين وأنف .... إلخ ملكا له، فإن الله هو المالك لأنه الخالق ويتضح ذلك كالتالي:

ـ المال ملك لله: (( وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ) ) [5] ، (( وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ) ) [6] ، والمال تشتري به طعام وشراب ... الخ، وأي شيء تشتريه مصدره النبات أو الحيوان وذلك ملك لله تعالى، كما أن المال رزق الله وليس من كدك وتعبك، فلا يجوز للإنسان أن يتصرف في المال كيفما يشاء لأنه ليس ملكا له وإنما هو ملك لله، فيتصرف فيه كيفما يريده الله منه لأنه مالك هذا المال.

ـ كل ما يصنعه الإنسان هو من مادة الأرض أو نبات أو حيوان، وكل ذلك ملك لله تعالى وليس لك فضل في تصنيعه فالله هو الذي صنعه، ففي تفسير الطبري: (( عن قتادة والله خلقكم وما تعملون [7] بأيديكم ) ) [8] ، وقابلية تحويل المواد من مادة إلى مادة أخرى هي من خواص أودعها الله فيها فقد سخرها الله للإنسان لتقبل التحويل إلى مادة أخرى (( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ ) ) [9] ، (( وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) ) [10] ، والمخترعات تنشأ من تطويع مواد الأرض وهي ملك لله، والله الذي سخرها وعلم الإنسان كيف يستفيد من تسخيرها، والطاقة التي تدير الموتور هي من صنع الله سبحانه فلا يغتر الإنسان بذلك.

ـ فما يعمله الإنسان ليس جلب للرزق فهو فقط يسقي الأرض فيخرج الزرع، ويحفر الأرض ليستخرج المعادن والبترول ويقوم بالصناعة، فهو لم يصنع الماء والتراب والبذور التي تنبت الزرع، ولم يصنع المعادن والبترول الذي في باطن الأرض، والزراعة والصناعة هي من الرزق: (( أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ(63) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (64) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (65) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (66) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (67) أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (68) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (69) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ (70) أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (71) أَأَنْتُمْ أَنْشَاتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ )) [11] ، فأعمال الإنسان الدنيوية ليست إلا تحصيل رزق موجود وليس إيجاده، فحقيقة الأعمال الدنيوية مهما كانت تبدو ضخمة ومعقدة هي مجرد لعب ولهو: (( اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ) ) [12] ، ولو كان الرزق موجود في شكل جبل عند مكان ما، لذهب الناس ليأخذوه كله ويبعثروه ويضروا أنفسهم بكثرة الطعام والشراب وغير ذلك، ولكن الرزق موجود بشكل معين بحيث كلما احتاج الإنسان أخذ نصيبه الذي يحتاجه.

ـ القوة في الجسم رزق أيضا وليس معني أنك تأخذ بأسباب القوة أنك صاحب ومالك هذه القوة أو أنك جلبتها لنفسك، فالعمليات التي تتم داخل الجسم لتحويل الطعام إلى عضلات هي من أمر الله، وكذلك كل ما يكتسبه الإنسان من تكريم ومن أفضلية ومن سمع ومن بصر وإرادة وعقل وقدرات.

ـ أعضاء الإنسان من أنف وعين وكلية .. الخ هي ملك لله وليست ملكا لصاحبها لذلك أفتى بعض العلماء بعدم جواز بيعها ففي كتاب بحوث لبعض النوازل الفقهية المعاصرة: (( القول الثاني: لا يجوز بيع الأعضاء وهو ما أفتى به المجمع الفقهي، الأدلة على التحريم أن أعضاء الإنسان ليست ملكًا له، ولم يؤذن له ببيعها شرعًا فيكون بيعها داخلًا في بيع الإنسان مالا يملك ) ) [13] .

ـ والإنسان ليس حرا في جسده يفعل به ما يشاء لأن جسده ليس ملكا له لذلك فالتدخين حرام لأن فيه ضرر لشيء أنت لا تملكه ففيه إفساد لما خلقه الله: (( وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ) ) [14] ، (( وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ) ) [15] .

ـ والطعام الذي تأكله ليس ملكا لك ولم تحضره من كدك وتعبك إنما هو ملكا لله وهو الذي أنعم به عليك، وكذلك الملابس التي تلبسها هي ملكا لله وليست ملكا لك وقد أنعم الله بها عليك، لذلك ففي الحديث: (( من أكل طعاما ثم قال الحمد لله الذي أطعمني هذا الطعام ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن لبس ثوبا فقال الحمد لله الذي كساني هذا ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ) ) [16] ، فإذا قال هذا الدعاء وهو يشعر أن هذا الطعام فعلا أطعمه الله به وما يلبسه إنما كساه الله به من غير كده وتعبه ومن غير حول منه ولا قوة فإن الله يغفر له ذنوبه، وهو عندئذ قد حقق الشعور بأن الله هو المالك وبأن له صفات الإنعام فيخضع له ويحبه ويطيعه، فالأصل أن كل الناس جائعين والله يطعمهم، عراه والله يكسيهم، ضالين والله يهديهم، ففي الحديث القدسي: (( يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم، يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم ) ) [17] .

ـ الشهوات التي يتمتع بها الإنسان بالحلال هي نعم يتمتع بها الإنسان وهي ملك لله تعالى، واللذة التي يجدها الإنسان في نفسه هي من صناعة الله وهي ملك لله فهذا الأمر المعنوي هو ملك لله تعالى.

ـ الجاه والمنصب ملك لله: المنصب والجاه رزق مثلما المال رزق وليس من أخذك بالأسباب وكدك وتعبك أو الحصول علي شهادة (وكذلك المكانة العلمية رزق من الله تعالى) .

ـ العائلة: الذي يجعل العائلة لها إسم كبير وشرف وجاه هو المنصب لمَنْ فيها أو المال لمَنْ فيها أو الممتلكات وكل ذلك هو ملك لله تعالى.

ـ والله وحده الذي يملك الرحمة ففي الحديث: (( جَعَلَ اللَّهُ الرَّحْمَةَ مِائَةَ جُزْءٍ فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ وَأَنْزَلَ في الأَرْضِ جُزْءًا وَاحِدًا فَمِنْ ذَلِكَ الْجُزْءِ تَتَرَاحَمُ الْخَلاَئِقُ حَتَّى تَرْفَعَ الدَّابَّةُ حَافِرَهَا عَنْ وَلَدِهَا خَشْيَةَ أَنْ تُصِيبَهُ ) ) [18] .

ـ والعلم يملكه الله: (( وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) ) [19] ، (( وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شيئا ) ) [20] ، فالعلم والحكمة نعم يؤتيها الله للإنسان: (( وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ) ) [21] ، (( يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ ) ) [22] ، فمن الناس من يعبد عقله فهو يظن أنه يصنع الكثير من وسائل التقدم العلمي والتكنولوجيا بعلمه فيظن أن لا أحد أعطاه هذا العلم وأنه اكتسبه من نفسه وأنه هو الذي سخر هذه الأشياء لصالحه وليس أنها مسخرة ومجهزة لخدمة الإنسان.

ـ الصفات الخلقية مثل الكرم والشجاعة هي نعم من الله وليست من قبيل (( إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي ) ) [23] ، لذلك فالله هو الكريم وحده لأن الإنسان لا يملك شيئا ليكرم غيره به، فلا كريم كرما حقيقيا إلا الله، ولا قوي إلا الله لأن القوة التي عند الإنسان هي نعمة من الله وعارية يستردها، فلا قوي قوة حقيقية إلا الله، ولا غني إلا الله لأن المال الذي عند الإنسان الغني إنما هو نعمة من الله وعارية يستردها الله، فلا غني غنى حقيقي إلا الله وكل الناس فقراء محتاجون، ولا يستطيع أحد أن ينفع أحد أو يؤذيه ويضره لأن الله وحده هو النافع الضار، وهكذا.

ـ الإنسان نفسه ملك لله تعالى لأن الله خالقه، وخالق الشيء فهو يملكه.

ـ فما عند بعض الناس من مال أو جاه أو جمال ... الخ هو في الحقيقة نعم من الله عليهم وليس شيئا من عند أنفسهم، لذلك لا تجب محبتهم لما عندهم، وبالتالي من الولاء والبراء ألا تحب الناس لما عندهم من الدنيا ولكن لما عندهم من الدين، فيكون قدر محبتك للإنسان بقدر ما عنده من الدين وقدر بغضك له بقدر بعده عن الدين.

ـ السعادة مخلوقة وهي ملك لله تعالى:

ـ الإحساس باللذة والمتعة والسعادة أو بالألم والضيق والعذاب هو عبارة عن إشارات عصبية يتم ترجمتها في المخ فيحس الإنسان بالألم مثلا، فإن الله هو الذي صنع هذه الطريقة وهذه الأجهزة كما أنه يستطيع أن يجعلك تشعر بالسعادة بغير هذه

(1) غافر: من الآية 16

(2) الفتح: من الآية 14

(3) يونس: 66

(4) النمل: 91

(5) الحديد: من الآية 7

(6) النور: من الآية 33

(7) الصافات: 96

(8) جامع البيان عن تأويل القرآن (ج: 23، ص: 75) ـ محمد بن جرير بن يزيد الطبري ـ دار الفكر ـ بيروت

(9) الحج: من الآية 65

(10) الجاثية: 13

(11) الواقعة: 63 ـ 72

(12) الحديد: من الآية 20

(13) بحوث لبعض النوازل الفقهية المعاصرة (ج: 13، ص: 2)

(14) البقرة: من الآية 195

(15) النساء: من الآية 29

(16) تحقيق الألباني: حسن (انظر حديث رقم: 6086 في صحيح الجامع)

(17) تحقيق الألباني: صحيح (انظر حديث رقم: 4345 في صحيح الجامع)

(18) رواه مسلم (7148)

(19) البقرة: من الآية 216

(20) النحل: من الآية 78

(21) الإسراء: من الآية 85

(22) البقرة: 269

(23) القصص: من الآية 78

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت