ـ فالحالة النفسية المميزة للتوكل هي الشعور بالاطمئنان والراحة النفسية من هموم الدنيا ومن الهم بجلب الرزق وتحصيل الدنيا فلا تكون هدف الإنسان وقضيته، كما أن الشعور بأن غير الله لا ينفع ولا يضر يؤدي إلى الارتياح النفسي لأنه لا يحمل هما لما سوى الله، وكلما نقص إيمان العبد كلما نقص توكله وانشغل همه بالدنيا.
ـ فالإنسان قد يشعر بالاطمئنان والثقة والراحة إلى أن له مصدر دخل ثابت شهريا من عمل حكومي أو معاش مثلا يوفي له ما يريد (وذلك ينشأ من ضعف شعوره بأن الله هو الرزاق أو من غياب ذلك الشعور) .
ـ كذلك المتوكل على الله يشعر بالاطمئنان والثقة والراحة إلى أن هناك من يمده بما يحتاجه فهو يطمئن إلى الله الوكيل والرزاق، فهو مطمئن إلى رزقه ومطمئن إلى أنه إن استعان بالخالق لم يخذله.
ـ فالتوكل هو شعور بضعف الإنسان واستسلامه لله وانهزامه بين يدي الله وتفويض أمره لله ليفعل الله به ما يشاء، مثل شعور اليتيم الذي يحتاج إلى من يكفله وينفق عليه، ومثل شعور الأعمى الذي يحتاج إلى المبصر ليحدد له اتجاه سيره ويسير به حيث يريد، ومثل شعور الذي يجلس على كرسي بعجلات ويحتاج إلى من يقوده، ومثل شعور السائل (الشحاذ) الذي يحتاج إلى الناس فيسألهم أن يعطوه، ومثل شعور الفقير الذي ذاق طعم الفقر فهو يحتاج إلى الغني ليعطيه، ومثل شعور الطفل الذي يحتاج إلى أبوية في طعامه وشرابه ونومه ورعايته، ومثل شعور التائه الذي ضل الطريق فهو يحتاج إلى من يهديه، ومثل شعور الجائع الذي ذاق طعم الجوع فهو يحتاج إلى الغني ليعطيه طعاما، ولذلك ففي الحديث القدسي عن رب العزة سبحانه: (( يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم، يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم ) ) [1] ، وحقيقة الإنسان هو أنه أعمى لا يبصر لأن عينه ليست ملكه وإنما هي ملك لله تعالى أعطاها الله له، وهو أصم وأبكم لأنه لا يملك الإذن ولا اللسان، وهو فقير لأن المال الذي عنده هو ملك لله، وهو مجرد من كل شيء ولا يعلم شيئا لأن عقله ملك لله، فهو مثلما كان في بطن أمه في المراحل الأولى حيث كان لا يسمع ولا يرى: (( وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) ) [2] .
ـ فالإنسان إذا شعر بأن غير الله لا ينفع ولا يضر فشعر بأنه هو نفسه لا ينفع ولا يضر وبأن الأسباب لا تنفع ولا تضر وبأن كل الناس والأشياء لا تنفع ولا تضر، والشيء الذي لا ينفع ولا يضر هو شيء لا قيمة له فإنه عندئذ يشعر بالاستسلام والانهزام ويشعر بأنه في حاجة إلى من يكفله ويقوم بأمره ويرعاه لأنه عاجز عن أن ينفع نفسه، فيلجأ إلى الله ليستعين به ويحتمي به، فيكون كالطفل كلما احتاج إلى أمر لجأ إلى أبويه وهو يثق بأن أبويه لن يخذلانه، لأن القوي لا يخذل الضعيف، ولذلك يقول شيخ الإسلام ابن القيم: (( فإن قلت فما معنى التوكل والاستعانة، قلت هو حال للقلب ينشأ عن معرفته بالله والإيمان بتفرده بالخلق والتدبير والضر والنفع والعطاء والمنع وأنه ما شاء كان ـ وإن لم يشأ الناس ـ وما لم يشأ لم يكن ـ وإن شاءه الناس ـ فيوجب له هذا اعتمادا عليه وتفويضا إليه وطمأنينة به وثقة به ويقينا بكفايته لما توكل عليه فيه وأنه ملي به ولا يكون إلا بمشيئته شاءه الناس أم أبوه، فتشبه حالته حالة الطفل مع أبويه فيما ينويه من رغبة ورهبة هما مليان بهما، فانظر في تجرد قلبه عن الالتفات إلى غير أبويه وحبس همه على إنزال ما ينويه بهما، فهذه حال المتوكل، ومن كان هكذا مع الله فالله كافيه ولا بد قال الله تعالى:(وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) [الطلاق/3] أي كافيه والحسب الكافي )) [3] .
ـ (( قيل لحاتم الأصم: على ما بنيت أمرك هذا من التوكل؟، قال: على أربع خلال: علمت أن رزقي لا يأكله غيري فلست أهتم له، وعلمت أن عملي لا يعمله غيري فأنا مشغول به، وعلمت أن الموت يأتيني بغتة فأنا أبادره، وعلمت أني بعين الله في كل حال فأنا أستحيي منه ) ) [4] .
ـ قلق الإنسان من عدم وجود عمل يتكسب منه، أو خوفا من أنه قد يترك العمل ... الخ، فكل ذلك يدل على عدم توكله على الله (يستثنى القلق الفطري الخارج عن إرادة الإنسان) .
ـ وكذلك من سرق مليما فليس بمتوكل، لأنه استعجل رزقه الذي كان سوف يأتيه حتما، والإنسان إذا أخذ مليما ليس من رزقه فلن يستطيع إنفاقه أو أنه يَضيع منه أو يصرفه في شيء لا قيمة له أو يمرض أو يمرض أحد من أبناؤه فيصرفه في العلاج، أو يصاب بابتلاء بفقد شيء من ممتلكاته .... الخ.
ـ الأسباب لا تنفع ولا تضر، والحكمة من أن الله أمرنا بالأخذ بالأسباب رغم أنها لا تنفع ولا تضر ليختبرنا هل نطيعه أم نعصيه، فنحن نأخذ بالأسباب طاعة لله رغم أنها لا تنفع ولا تضر.
ـ فينبغي عدم الربط بين العمل للكسب وبين الرزق، فالناس كلهم عاطلين عالة على الله، وما يعملونه للكسب هو مجرد لعب ولهو من ناحية علاقته بالرزق، وهو طاعة من الطاعات من حيث أن تركه معصية.
(1) تحقيق الألباني: صحيح (انظر حديث رقم: 4345 في صحيح الجامع)
(2) النحل: 78
(3) التفسير القيم لابن القيم (ج: 1، ص: 70)
(4) شعب الإيمان (ج: 2، ص: 97)