ـ وفي تفسير ابن كثير: (( لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وقوله: {أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا} أي: هؤلاء الذين اتصفوا بهذه الصفات هم الذين صَدَقوا في إيمانهم؛ لأنهم حققوا الإيمان القلبي بالأقوال والأفعال، فهؤلاء هم الذين صدقوا {وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} ) ) [1] .
ـ وفي تفسير ابن كثير أيضا: (( يقول تعالى: {إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا} أي: إنما يصدق بها {الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا} أي: استمعوا لها وأطاعوها قولا وفعلا ... {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ} يعني بذلك: قيام الليل، وترك النوم والاضطجاع على الفرش الوطيئة ) ) [2] .
ـ المعاصي تنشأ إما من ضعف الخضوع لله تعالى (ضعف الإيمان) أو من غياب الخضوع (نفاق أكبر) :
ـ اليقين الحقيقي بالله يؤدي إلى الحب والتعظيم (خوف المهابة) والخوف والرجاء والتوكل، وهذه المشاعر تؤدي إلى الخضوع حبا وتعظيما وخوفا ورجاءا وتوكلا، وهذا الخضوع يؤدي إلى العمل.
ـ المعاصي تنشأ إما من ضعف الخضوع لله تعالى (ضعف الإيمان) أو من غياب الخضوع (نفاق أكبر) ، ولاحظ أنه مهما فعل الإنسان من المعاصي فهو مسلم في نظر الناس لأن الله هو الذي يعلم هل نشأت المعاصي من ضعف الخضوع أم من غياب الخضوع.
ـ أثر انشغال الهموم على العمل:
ـ كلام الإنسان وأعماله هي أثر وثمرة لحقيقة ما يعتقده فعلا، فإذا كان الإنسان ليس له كلام إلا في الدنيا وأمورها، وكل أعماله هي أعمال دنيوية، وإذا قال عبارة واحدة دينية أو عمل عملا إسلاميا فبالكاد يكون لضرورة أو لأن ذلك أصبح من عادات الناس، فذلك من ضعف اليقين أو من غيابه، والعكس صحيح فمن كان معظم كلامه عن الله والآخرة وأمور الدين، وأكثر أعماله إسلامية فذلك أثر لليقين.
ـ وكذلك إذا كان أكثر كلام الإنسان يدل على انبهاره وإعجابه بقيمة المال أو الشهوات أو المناصب ومدى فائدتها ونفعها أو يدل على أن الله والآخرة ليس لهما وجود في حساباته، فذلك من ضعف اليقين أو من غيابه.
ـ عندما يكون الإنسان مشغولا بقضية فإنه يتحدث فيها، فإذا جلس مجموعة من الميكانيكية فإنهم سوف يتحدثون عن السيارات، وإذا جلس مجموعة من أصحاب مهنة معينة فيكون حديثهم حولها، كذلك إذا جلس مجموعة من الناس وكان الله في بؤرة شعورهم ومحور حياتهم وهمهم فإن حديثهم تلقائيا يكون عن الله وذكره واليوم الآخر وأمور الإيمان، كما أن الذي يحب شيئا يذكره كثيرا، ومن كان الله على باله دائما فإنه يكثر من ذكره.
ـ فإذا كان أكثر كلام الإنسان يدور حول شهوة النساء ويستحب الحديث مع النساء وينظر إلى عورات النساء، فذلك لأن الهم الذي في رأسه هو شهوة النساء.
ـ الإنسان يعطل عقله وتفكيره وتفكره وهمومه عن مسائل الغيبيات وذلك عن طريق التشاغل والانخراط في أعمال الدنيا، وأعمال الدنيا كثيرة جدا ومعقدة ومليئة بالمشاكل المختلفة والشهوات المختلفة والأعمال الروتينية، أي أن الإنسان يسرق وقته ويضيعه ويشغله بأمور الدنيا ويشغل همه وتفكيره فيها، ويشغل جوارحه وعمله لها، ويشغل أهدافه وطموحاته وأمانيه بها، خاصة مع تطور الحياة وزيادة مشاغلها، والتطور التكنولوجي الذي يبهر الأنظار، فالإنسان عند بدء الخليقة لم تكن حياته سوى بئر ماء ومكان فيه زرع وكوخ يأويه، والإنسان عندما يشغل تفكيره وهمومه وأهدافه وكلامه وأعماله بالدنيا هو في حقيقة أمره يهرب من الآخرة والتفكير فيها، فهو اختار أن يعيش حياة التلهي والتشاغل بالدنيا عن الله والآخرة وانخرط في الدنيا واعتاد عليها واطمئن بها ورضي بها، وكأن الإنسان يقول لنفسه: فكر في أي شيء واشغل همك بأي شيء ولكن بعيدا عن تذكر الله والآخرة، فيكون كالنعامة التي تدفن رأسها في الرمال حتى لا يراها الأعداء، فهو بذلك يعطل عقله ويهرب من الآخرة وهل يفيد الهروب؟!، كما أن الذي يعمل للدنيا لا عقل له لأنه يحصد الهواء!.
(1) تفسير ابن كثير (ج: 1، ص: 488)
(2) تفسير ابن كثير (ج: 6، ص: 363)