مثال (7) : أنت عندك يقين واقتناع نظري تام بعذاب القبر وسؤال الملكين، فلو قام إليك أحد الموتى ليخبرك عن ما كان من سؤال الملكين وعذاب القبر فتقول له وأنت بارد القلب: أنا أعرف ذلك وأكثر منه، فلو جاء بعصاه وضربك بها لكان محقا ويقول لك أنت ليس لديك أي شعور عن عذاب القبر لأنك لا تشعر بمدي خطورة هذا الأمر وألم هذا العذاب.
مثال (8) : الإنسان من الممكن أن يقتنع أن ركعتين خالصتين أفضل من ألف جنيه، لكن في مشاعره هو لا يشعر بالرضا والارتياح والقبول النفسي لذلك، فيشعر بأن الألف جنيه أفضل وذلك لأنه لا يشعر بقيمة الركعتان الخالصتان في الآخرة ويقارنها بمدي ضآلة قيمة الأموال وفناءها، فإن ركعتي الفجر مثلا أفضل من كل أموال الدنيا وما فيها ففي الحديث: «رَكْعَتَا الْفَجْرِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» [1] ، فهناك مَنْ يشعر بذلك بدون حرج في النفس وهناك مَنْ إذا رجع إلى حقيقة ما في نفسه يجد في نفسه حرج.
مثال (9) : هناك من إذا قرأ القرآن تأثرت مشاعره لمجرد أنه شعر أن هذه الآيات هي كلام الله حتى من غير أن يعرف معناها، وقد يظهر ذلك التأثر في صورة بكاء وقد لا يظهر لكن يهتز الوجدان من الداخل، في حين أن الكثير يقرءون القرآن وهم على اقتناع نظري تام بأنه كلام الله من غير أن يتأثروا، ذلك لأن مجرد الاقتناع النظري بأنه كلام الله لا يكفي فلابد من الشعور بأنه كلام الله، وهناك من الصحابة من أسلم لمجرد سماعه آيات القرآن.
ـ الذي يعرف الشيء ويعلمه ويفهمه من غير أن يشعر بقيمته ومدى ما فيه من ألم ولذة هو في الحقيقة لا يعرفه ولا يعلمه ولا يفهمه.
ـ فمعرفة الشيء بغير الإحساس بقيمته هي معرفة نظرية فقط، أما المعرفة الحقيقية هي معرفة الشيء مع الإحساس بقيمته، وكذلك العلم والفهم.
ـ فالمعرفة النظرية هي معرفة بغير إحساس بالقيمة، والمعرفة الحقيقية هي معرفة مع وجود الإحساس بالقيمة، والعلم النظري هو علم بغير إحساس بالقيمة، والعلم الحقيقي هو علم مع وجود الإحساس بالقيمة، والفهم النظري هو فهم بغير الإحساس بالقيمة، والفهم الحقيقي هو فهم مع وجود الإحساس بالقيمة.
ـ فالمعنى الذي يهم من معرفة أي شيء هو الإحساس بمدى أهميته أو مدى قدره وقيمته أو مدى ما ينشأ عنه من نفع أو ضرر، فالذي يهم من معنى (رب) أي الشعور بأنه ذو قدر كبير أكبر من قدر الناس والأشياء ونوضح ذلك كالتالي:
ـ كل إنسان له قدر وقيمة فمثلا المدير في العمل له قدر أكبر من الزميل في العمل من حيث شعورك بالهيبة والتعظيم له، ووكيل الوزارة له قدر أكبر وهيبة أكبر، ورئيس الوزارة له هيبة أكبر، ورئيس الدولة له قدر أكبر، وأنت تشعر عنده بالهيبة لمكانته، وتشعر بالخوف منه لأن له قدرة على أن يؤذيك، وتريد أن يرضى عنك لأن له قدرة على أن يعطيك فترجوا ما عنده، فتحدث هذه المشاعر من الهيبة والخوف والرجاء خاصة إذا كنت عند ذلك الشخص وهو أمامك وينظر إليك، أنت في هذه الدنيا عند الله تقف على أرضه وتحت سماءه في ملكه وهو أمامك ينظر إليك، وهو يرأس كل هؤلاء الوزراء والملوك وذوي السلطات والسلطان، وهم جميعا تحت أمره وسلطانه، فهل تشعر بنفس هذا الشعور من الهيبة والخوف والرجاء مع هؤلاء، أي هل تجد نفس هذه الحالة النفسية التي تشعر بها مع هؤلاء؟.
ـ وكذلك الأشياء لها قيمة، فالألف جنيه له قيمة، والمليون له قيمة أكبر، وكذلك السيارات والشركات والمصانع والفيلات ... الخ، كل شيء له قيمة، وبالتالي له قدر من الحب والرجاء في الحصول عليه والخوف من ضياعه، وكل هذه الأشياء هي جزء ضئيل من ممتلكات الله، فالله له قدر أكبر من قيمة وقدر كل هذه الأموال والأشياء لأنه مالكها، فأنت ما أخذته من شيء لم تأخذه إلا عندما أذن لك صاحبه، فلا تستطيع أن تتنفس نفسا إلا إذا أذن لك الله بذلك، فإذا كانت هذه الأشياء لها قيمة وقدر من الحب والخوف والرجاء فهل تشعر بالحب والخوف والرجاء من صاحبها.
ـ وكذلك الذي يوقن بشيء ويؤمن به ويصدق به من غير أن يشعر بقيمته ومدى ما فيه من ألم ولذة هو في الحقيقة لا يوقن به ولا يؤمن به ولا يصدق به.
ـ فاليقين والتصديق والإيمان بشيء بغير الإحساس بقيمته هو يقين نظري فقط وتصديق نظري فقط وإيمان نظري فقط، أما اليقين الحقيقي والتصديق الحقيقي والإيمان الحقيقي هو اليقين والتصديق والإيمان بالشيء مع الإحساس بقيمته.
ـ فاليقين النظري هو يقين بغير إحساس بقيمة ما يوقن به، والتصديق النظري هو تصديق بغير إحساس بقيمة ما يصدق به، والإيمان النظري هو إيمان بغير إحساس بقيمة ما يؤمن به، واليقين الحقيقي هو يقين نظري مع إحساس بقيمة ما يوقن به، والتصديق الحقيقي هو تصديق نظري مع إحساس بقيمة ما يصدق به، والإيمان الحقيقي هو إيمان نظري مع إحساس بقيمة ما يؤمن به.
(1) تحقيق الألباني: صحيح (انظر حديث رقم: 3517 في صحيح الجامع)