فهرس الكتاب

الصفحة 149 من 168

ـ الحكمة من وجود الدنيا هي أن الله جعل الأرض مكان معد لاختبار الإنسان، وطبيعة الاختبار أن الأرض لها زينة خادعة، فمن ينخدع بزينة الأرض فيظنها ملكه ويستكبر بها عن الخضوع فقد رسب في الاختبار، ومن لم ينخدع بزينتها قد نجح في الاختبار: (( إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ) ) [1] .

ـ فإذا لم نشعر بأننا نعيش الآن في حالة امتحان فهذا معناه عدم وجود اليقين الحقيقي بالآخرة، وهذا معناه أن الإنسان يقول بمشاعره أن الله خلق البشر وتركهم يفعلون ما يشاءون فهو خلقهم عيثا، فالذي يصنع شيئا ثم يتركه فهو قد صنعه عبثا، فالله لم يخلقنا ثم يتركنا يعيش كل واحد كيفما يريد وكل واحد يفعل ما يريد، ولم يخلق الله الناس ويحدث ما يحدث بينهم ويتركهم وشأنهم، فالله صنع الإنسان من الطين ولكن ليس ليتسلى بهم كما يتسلى الإنسان بالدمى التي يصنعها وإنما خلقهم لحكمة وغاية هي أن يعيشوا وفق ما يريده الله أي لعبادته: (( أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ ) ) [2] .

ـ إن الدنيا مزرعة للآخرة، فإن السبب من وجود هذه الحياة في الدنيا هو ابتلاء واختبار، ونحن نعيش هذه الحياة من أجل هذا الاختبار، فالدنيا كلها بمثابة امتحان، فلم تخلق الدنيا لتكون مناسبة لنعيش ونقيم فيها ونبحث فيها عن السعادة وإنما هي دار اختبار، فيكون هم المؤمن وشعوره طيلة حياته مثل شعور الطالب قبل الامتحان بل أعظم بكثير، فنحن نعيش الآن في مرحلة اختبار هي أيام عمرنا في هذه الحياة، والمطلوب تحديدا حتى نكون من أهل الجنة هو النجاح في اختبار الدنيا.

ـ فالحياة التي نعيشها في الدنيا هي حياة أوجدها الله للاختبار فقط وليست حياة يقيم فيها الإنسان ويعيش حياته، والاختبار يشمل كل ما تفعله وتقوله وتشعر به منذ أن بلغت حتى اللحظة التي تموت فيها، فالاختبار يشمل كل الأعمال الظاهرة والباطنة طوال الحياة الدنيا، فقد نزل آدم إلى الأرض ليعيش هو وأبناءه في مرحلة اختبار مؤقتة، واختار الله الكرة الأرضية لتكون صالحة لإجراء هذا الاختبار.

ـ لابد أن يشعر الإنسان أنه داخل في مسابقة لها جوائز، ولكن وجه الاختلاف عن مسابقات الدنيا أن كل ناجح في المسابقة ينال جائزة كبيرة، وكل خاسر عليه عقاب شديد، وأن هذا السباق ينتهي فجأة، فمرحلة الدنيا هي مرحلة سباق وتنافس في تحصيل الإيمان وجمع الحسنات: (( سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ) ) [3] ، (( وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ) ) [4] .

ـ الإنسان أثناء السباق أو أثناء الامتحان لابد أن يشعر بالقلق والترقب، ولابد أن يشعر بالتحمس والتحفز كلما قطع خطوات، ويشعر بالضيق كلما أخطأ، وهذا السباق خطير ومصيري لأنه يترتب عليه العذاب الأليم أو النعيم المقيم، وبالتالي إذا لم يشعر الإنسان بالقلق وبالمشاعر التي يشعر بها أي إنسان أثناء الاختبار فهذا معناه أن اليقين بأنه يعيش حياته الآن في مرحلة اختبار غير موجود، وبالتالي فاليقين الحقيقي بالآخرة غير موجود، وعدم شعور الإنسان بأنه في حالة اختبار فهذا معناه أنه يقول بمشاعره أننا خلقنا عبثا رغم وجود اليقين النظري التام بأن الدنيا دار اختبار.

ـ وسواء رضينا أم لم نرضي، وسواء شعرنا بذلك أم لم نشعر، فنحن دخلنا الآن في لجنة امتحان منذ سن البلوغ، ونحن واقعين الآن وفي أثناء هذه اللحظة وفي كل اللحظات تحت رقابة تامة ومتابعة تامة لما يحدث في عقولنا من التفكير والتصور، وما يحدث في مشاعرنا، وما يحدث في أعمال الجوارح، وهذه الرقابة التامة من الخالق نفسه ومن الملكين الرقيب والعتيد، ويتم تسجيل كل شيء بمنتهى الدقة، ومدة الامتحان هي كل فترة عمرنا في هذه الدنيا، وينتهي الامتحان فجأة في أي لحظة ويبدأ بعدها فورا الحساب حيث احتساب الدرجات والنتيجة، ويوم القيامة تتطاير الصحف لكل إنسان كتاب مدون فيه كل شيء فعله أو اعتقده لحظة بلحظه فمن أخذ كتابه بيمينه كان من أهل الجنة ومن أخذه بشماله كان من أهل النار.

ـ إن البعض قد يرى منافسة ما في مباراة كرة أنها مصيرية وحاسمة فتحوذ على اهتمامه وتؤثر على أعصابه ومشاعره، ألا يرى هؤلاء أننا نعيش في حالة منافسة مصيرية أشد من هذه المباراة هي الامتحان الذي نعيشه في الدنيا والذي ينتهي بالخلود في الجنة أو الخلود في النار فكيف لا يؤثر ذلك على أعصابهم ومشاعرهم، فأي المنافستين أشد وأخطر وأهم؟!.

ـ الإحساس بخطورة الامتحان:

ـ وقت الامتحان وجيز جدا، لأن عمر الإنسان في الدنيا لا يساوى شيء أمام عمره في الآخرة، كما أن الامتحان ينتهي في أي لحظة، ولا يوجد إعادة في امتحان آخر، فنحن في سباق ومسارعة، وهذا الامتحان خطير جدا ومصيري لأنه يترتب عليه أن

(1) الكهف:7

(2) المؤمنون: 115

(3) الحديد: من الآية 21

(4) المطففين: من الآية 26

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت