والناس عبيد إحسانه أذلاء لمنه وعطاءه، وهو صنعهم من الطين ولكن ليس ليتسلى بهم كما يتسلى الإنسان بالدمى التي يصنعها وإنما خلقهم لحكمة وغاية هي عبادته.
ـ ومن هنا تفهم أيضا أن"لا إله إلا الله"تعني سلب كل صفة حميدة من الإنسان وإثبات كل الصفات الحميدة والكمال فيها لله، وما عند الإنسان من صفات حميدة إنما هو مما أعطاه الله له، فالإنسان لا قدرة له ولا علم له ولا إرادة له ولا شيء له إلا مما أعطاه الله إياه، وما أعطاه الله للإنسان لا يساوى قطرة من محيط مما عند الله، كما أنه لا يتحرك متحرك ولا يسكن ساكن إلا بأمر الله تعالى، فلا يستطيع أحد أو شيء أن يعتمد على نفسه في حركته أو سكونه فيحتاج إلى الله ليتحرك ويحتاج إلى الله ليسكن، والنفس الذي تتنفسه هو من عند الله والماء الذي تشربه هو من عند الله تعالى.
ـ ولذلك عندما يمرض الإنسان فإن الله وحده هو الذي يشفي فيكون توكل الإنسان على الله ولجوءه إلى الله ثم يأخذ بالسبب طاعة لله، وكذلك إذا احتاج أمرا من رئيسه مثلا فإنه يلجأ إلى الله ويدعوه أولا لأن رئيسه لا يملك نفعا ولا ضرا فلا يتوكل عليه أو يخاف منه، ومن هنا تفهم مدى أهمية الدعاء ففي الحديث: (( الدعاء هو العبادة ثم قرأ {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين} ) ) [1] .
ـ فالذي يوقن يقينا حقيقيا بأن الله هو الملك فإنه يشعر بخوف المهابة منه والخضوع خوفا من مهابته والخضوع لأمره والرجاء في عطاءه والخوف من منعه والحب لما أعطاه وحب الانتساب إليه والعزة به والتوكل عليه والخضوع حبا له.
ـ فمعنى أنك توقن أن لك ملكا له السيادة الكاملة عليك، فهذا معناه أن له وحده حق الأمر والنهي، وهذا معناه أنك تعيش خاضعا لأمره تبعا لما يريده هو، ولست تعيش تبعا لما تريده أنت وترغبه، وليس تبعا لما يريده أي أحد آخر ويرغبه، وحيث أنه يرعاك ويحميك ويعطيك وأوامره فيها النفع لك في الدنيا والآخرة وهو سبحانه لا يستفيد لنفسه شيء من هذه الأوامر فهو الغني عن الناس وكل شيء فأنت تحبه وتحب أوامره، فغياب الإحساس بأن الله هو الملك المسيطر المهيمن تؤدي إلى عدم المبالاة بأوامر الدين وعدم أخذها بجدية والتفريط فيها.
ـ فإذا لم يشعر الإنسان بألم الخضوع خوفا من مهابته ولذة الخضوع حبا له فهذا معناه أن يقينه بأن الله هو الخالق والمالك والملك والمسيطر والمهيمن والقهار والجبار والمتكبر هو يقينا نظريا فقط وليس يقينا حقيقيا، أي أن الإنسان لا يؤمن إيمانا حقيقيا بأن له إله، لأن كلمة إله تعني في الأصل أن هناك من هو ملك عليك ومسيطر عليك ومهيمن عليك وقاهر لك ومتكبر عليك وجبار له القدر الهائلة عليك، وكل هذا مفهوم بديهيا من أنه الخالق لك الذي صنعك فهو المالك لك الذي أنت جزءا من ممتلكاته.
ـ وفي تفسير ابن كثير: (( {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} أي: هو الذي خضعت له الرقاب، وذلت له الجبابرة، وعنت له الوجوه، وقهر كل شيء ودانت له الخلائق، وتواضعت لعظمة جلاله وكبريائه وعظمته وعلوه وقدرته الأشياء، واستكانت وتضاءلت بين يديه وتحت حكمه وقهره ) ) [2] .
ـ إذا استشعر الإنسان المقارنة بين الكون والكرسي، فالكون كله بالنسبة إلى الكرسي مثل حلقة وضعت في صحراء، وفوق الكرسي العرش وهو أيضا هائل جدا بحيث أن حجم الكرسي إلى العرش مثل حلقة وضعت في الصحراء ففي الحديث: (( ما السماوات السبع في الكرسي إلا كحلقة بأرض فلاة وفضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة ) ) [3] ، والله سبحانه فوق العرش.
ـ والسماوات كلها ضئيلة جدا أمام عظمة خالقها، ففي الحديث: (( يطوي الله السموات يوم القيامة ثم يأخذهن بيده اليمنى ثم يقول أنا الملك أين الجبارون أين المتكبرون ثم يطوي الأرضين ثم يأخذهن بشماله ثم يقول أنا الملك أين الجبارون أين المتكبرون ) ) [4] ، وفي حديث آخر: (( يقبض الله الأرض يوم القيامة ويطوي السموات بيمينه ثم يقول أنا الملك أين ملوك الأرض ) ) [5] ، وفي حديث آخر: (( جاء حبر من اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا محمد إن الله يمسك السماوات يوم القيامة على أصبع، والأرضين على أصبع، والجبال والشجر على أصبع، والماء والثرى على أصبع، وسائر الخلق على أصبع، ثم يهزهن فيقول أنا الملك أنا الله، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم تعجبا مما قال الحبر تصديقا له، ثم قرأ(وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون ) )) [6] .
(1) قال الشيخ الألباني: حسن صحيح (جامع الترمذي ج: 5، ص: 374، برقم 3247)
(2) تفسير ابن كثير (ج: 3، ص: 244)
(3) التخريج: صحيح (السلسلة الصحيحة ج: 1، ص: 223، برقم: 109)
(4) تحقيق الألباني: صحيح (انظر حديث رقم: 8101 في صحيح الجامع)
(5) تحقيق الألباني: صحيح (انظر حديث رقم: 8125 في صحيح الجامع)
(6) التخريج: متفق عليه (مشكاة المصابيح ج: 3، برقم: 5524)