ـ وفي تفسير القرطبي: (("وهم من خشيته مشفقون" [الأنبياء: 28] والمعنى: أنه إذا أذن لهم في الشفاعة وورد عليهم كلام الله فزعوا، لما يقترن بتلك الحال من الأمر الهائل والخوف أن يقع في تنفيذ ما أذن لهم فيه تقصير ) ) [1] ..
ـ وفي تفسير الطبري: (( ينزل الأمر من عند رب العزة إلى السماء الدنيا؛ فيفزَع أهل السماء الدنيا، حتى يستبين لهم الأمر الذي نزل فيه، فيقول بعضهم لبعض: ماذا قال ربكم؟ فيقولون: قال الحق وهو العلي الكبير، فذلك قوله(حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ ... ) الآية )) [2] .
4 ـ خوف المهابة من رؤية الله تعالى:
ـ الإنسان إذا سمع بأذنه كلام الله له، أو إذا رأى الله سبحانه فإنه قد يصعق من شدة الخوف من هول المهابة والعظمة وشدة الأمر.
ـ (( فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ ) ) [3] .
ـ وفي الحديث: (( حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه ) ) [4] .
ـ الخوف من العقاب والرجاء في الثواب لابد أن يسبقه المشاعر الغير مرتبطة بالثواب والعقاب:
ـ لكي تتحقق هذه المشاعر لابد أولا أن تتحقق المشاعر الغير مرتبطة بالثواب والعقاب (خوف المهابة والحب) ، ونوضح ذلك كالتالي:
ـ لكي يتحقق الخوف من دخول النار لابد أن يتحقق أولا الكراهية والخوف من مهابة النار (اليقين الحقيقي بحقيقة النار وما بها من ألم) .
ـ ولكي يتحقق الرجاء في دخول الجنة لابد أن يتحقق أولا الحب لما في الجنة من لذات (اليقين الحقيقي بحقيقة الجنة وما بها من لذات) .
ـ ولكي يتحقق الخوف من عقاب الله لابد أن يتحقق أولا الخوف من مهابة الله (اليقين الحقيقي بمدى قدرة الله) .
ـ ولكي يتحقق الرجاء في رحمة الله لابد أن يتحقق أولا الحب لذات الله لما لله من صفات جميلة هي الجمال كله وصفات حميدة تصل إلى حد الكمال (اليقين الحقيقي بما لله من صفات تجعل الإنسان يحبه ويأنس به من الوحشة) .
ـ فالخوف من والعقاب والرجاء في الثواب في الآخرة لابد أن يسبقه حتما اليقين الحقيقي بالآخرة، وذلك يتمثل في خوف المهابة من أهوال القيامة وخوف المهابة من النار وحب الجنة والشعور بالغربة (وهي مشاعر غير مرتبطة بالثواب والعقاب) وكذلك لابد أن يسبقه حتما اليقين الحقيقي بمن يقوم بالثواب والعقاب وهو الله سبحانه وذلك يتمثل في خوف المهابة والحب والخضوع حبا وخوفا من مهابة الله (وهي مشاعر غير مرتبطة بالثواب والعقاب) .
ـ الخوف من العقاب ينشأ من خوف المهابة، ورجاء الثواب ينشأ من الحب:
ـ الإنسان إذا ذهب إلى قسم الحرائق بأي مستشفى مثلا ورأى ما فعلته النار بهؤلاء المرضى فإنه يتألم رغم أنه لم يصب بأي أذى من النار، فهذا هو خوف المهابة من النار، وينشأ عن ذلك الخوف من أن يقترب من النار أو تدركه النار فيصاب مثلهم، وهذا هو خوف العقاب أي خوف الوصول للنار، فإذا لم يشعر الإنسان بالتألم لهؤلاء المرضى فهذا معناه أنه لا يعرف ماذا تعني كلمة نار معرفة حقيقية، وهو ليس حي ولا عقل له، وبالتالي فلن يخاف من العقاب.
ـ فكذلك في هلاك الأمم السابقة لابد أن يشعر الإنسان تجاهه بخوف المهابة مما حدث لهم، فينشأ عن ذلك خوف العقاب من أن يكون مصيره مثل مصيرهم.
ـ الإنسان إذا سمع عن رجل كريم جواد يعطي الفقراء والمحتاجين ويساعد الناس فإنه يحبه، وينشأ عن ذلك الرجاء في الحصول على عطاء منه، فإذا لم يحبه فلن يرجوه.
ـ وينشأ عن خوف العقاب ورجاء الثواب الخضوع خوفا من العقاب ورجاءا في الثواب.
(1) تفسير القرطبي (ج: 14، ص: 295)
(2) تفسير الطبري (ج: 20، ص: 397)
(3) الأعراف: من الآية 143
(4) تحقيق الألباني: صحيح (انظر حديث رقم: 1860 في صحيح الجامع)