فهرس الكتاب

الصفحة 104 من 168

ـ الخوف من النار هو في حقيقته خوف من الله، ورجاء الجنة هو في حقيقته رجاء الله:

ـ الخوف من النار هو في الحقيقة خوف من الله، لأن النار ليست موجودة بذاتها وليست هي التي تريد أن تعاقب أحدا، ولكنها عقوبة من الله، لذلك فالخوف من النار في الحقيقة هو خوف من الله من أن يعاقبك بالنار، وكذلك رجاء الجنة هو في الحقيقة رجاء الله في أن ينعم عليك بالجنة، وكذلك الخوف من الآخرة هو في الحقيقة خوف من الله في أن يقيك هول ذلك اليوم، لذلك يقول تعالى: (( إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا ) ) [1] ، لذلك فالذي يعبد الله رجاء الجنة فهو يقصد رجاء الله في أن ينعم عليه بالجنة.

ـ مفهوم الهدف (الخوف من العقاب والرجاء في الثواب) :

ـ لا يمكن لإنسان أن يعيش بغير قضية تكون هي هدفه يحيا بها ويعيش لها ويتجه إليها بمشاعره وهمومه، فكل إنسان له قضية هي أهم شيء في حياته، وهذه القضية تكون هي محور حياته ومستقبله ومصيره، وفي الحديث: (( ... كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو فَبَائِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا ) ) [2] ، وهذه القضية هي ما يرجوه ويخاف من عدم تحقيقه، فكل الناس يريدون الثواب ويخافون العقاب، فمن كان يشعر بخطورة الثواب والعقاب في الآخرة فيكون ذلك خوفه ورجاءه، ومن لا يشعر بخطورة الآخرة فيكون خوفه ورجاءه في أمور الدنيا، وقد يكون للمؤمن طموحات دنيوية ومشاريع تجارية لكن الهدف الأكبر والمشروع التجاري الأكبر هو الجنة والنجاة من النار، وذلك في تعلق مشاعره وليس في يقينه النظري فقط، كما أن طموحاته الدنيوية هي لله لتعينه على الطاعة فهي أهداف في الله.

ـ عندما يجد الإنسان فوائد ونفع له يستطيع أن يحصل عليه فإنه يرجو أن يحصل على هذه الفوائد التي تحقق له اللذة، وعندما يجد الإنسان ضرر يمكن أن يحدث له فإنه يخاف أن يصل إليه، فالمؤمن هدفه الوصول للجنة، أي رجاء الجنة، وهدفه البعد عن النار، أي الخوف من الوقوع في النار.

ـ الإنسان لا يعلم هل هو من أهل الجنة أم من أهل النار، فهو لا يأمن مكر الله، وكذلك لا ييأس من روح الله، أي أنه لا يكون عنده اطمئنان إلى أنه صائر إلى الجنة، ولا يكون عنده يأس أنه صائر إلى النار، وفي تفسير ابن كثير: (( {فَلا يَامَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ} ؛ ولهذا قال الحسن البصري، رحمه الله: المؤمن يعمل بالطاعات وهو مُشْفِق وَجِل خائف، والفاجر يعمل بالمعاصي وهو آمن ) ) [3] ، فعنده احتمال أن يكون من أهل الجنة، وذلك يجعل عنده رجاء في رحمة الله وحسن الظن بالله وذلك يدفع همته للوصول إلى الله، وكذلك فإن المؤمن عنده احتمال أن يكون من أهل النار، وذلك يجعل عنده خوف من عذاب الله وذلك أيضا يدفع همته للوصول إلى الله، فكلما تفكر في الاحتمال الأول فرح وانشرح، وكلما تفكر في الاحتمال الثاني خاف ووجل، فهو بين جناحي الخوف والرجاء، ولا يزيد ذلك عن كونه احتمال.

ـ الرجاء يعني الاشتياق إلى لقاء الله والاشتياق إلى الجنة والاشتياق للنجاة من النار فالشيء الذي ترجوه أنت تشتاق إليه وتحبه لما تجد فيه من النفع والخير لك يعني الاشتياق إلى لقاء الله والاشتياق إلى الجنة والاشتياق للنجاة من النار فالشيء الذي ترجوه أنت تشتاق إليه وتحبه لما تجد فيه من النفع والخير لك، والخوف يكون من الوقوع في النار ومن عدم الوصول إلى الجنة ومن الحرمان من لذة النظر إلى وجه الله الكريم ومن غضب الله، فالخوف والرجاء يمثل الإجابة على سؤال: ماذا تريد؟ أي ما الذي تريده وتشتاق إليه وتصبو نفسك وتتطلع إليه أو تخاف منه؟ هل سيارة أو مال أو نساء أم الجنة ولقاء الله؟، فالمؤمن يشتهي الجنة ولقاء الله والكافر يشتهي الدنيا: (( وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ ) ) [4] ، والمؤمن يريد ويرجو لقاء الله أي يحب ويشتاق إلى لقاء الله: (( مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ ) ) [5] ، ومن أدعية الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( ... وَأَسْأَلُكَ الرِّضَاءَ بِالْقَضَاءِ وَبَرْدَ الْعَيْشِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَلَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ وَالشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ ... ) ) [6] ، فهناك المشتاقون إلى الدنيا والمال: (( فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ) ) [7] .

ـ إن الإنسان عندما يشعر بالغيبيات فإن حساباته في الحياة سوف تختلف تماما، وإنه سوف يسقط الناس من حساباته، لأنه يشعر أن الدنيا ضئيلة ويشعر بأن السعادة إنما هي في الجنة، فتكون الجنة هدفه وطموحه وغايته ومستقبله، فيكون المحور الأساسي والركن الركين الذي يلجأ إليه ويرتكن إليه والوجهة أو اتجاه حياته هو اتجاه إسلامي، فهناك أمور كثيرة يقوم بها في الدنيا لكن المحور الأساسي لهذه الأمور والمرجعية في كل حياته للدين (أي الله ورسوله) .

(1) الإنسان: 10

(2) رواه البخاري (556)

(3) تفسير ابن كثير (ج: 3، ص: 451)

(4) سبأ: من الآية 54

(5) العنكبوت: من الآية 5

(6) قال الشيخ الألباني: صحيح (سنن النسائي ج: 3، ص: 55، برقم 1306)

(7) القصص: 79

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت