هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ )) [1] ، (( وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ) ) [2] ، فعندئذ يعلم في نفسه فقط أن قلبه قد مات.
ـ إذا غاب الإحساس بالقيمة عند مسلم فهذا يدل على أنه قد طبع على قلبه وأنه قد وقع في النفاق الأكبر مع بقاءه مسلما بين الناس لا يشك أحد في إسلامه، لأن الإحساس بالقيمة هو أمر في شعور الإنسان لا يعلمه غير الإنسان في نفسه، كما أن الذي لا يشعر بحقائق الأشياء من حوله هو أيضا لا يشعر بحقيقة نفسه.
ـ فغياب الإحساس بالقيمة يعني الغفلة عن الله ونسيان الله والغفلة عن الآخرة ونسيان الآخرة، فالله ليس له قدر أو قيمة في شعوره والآخرة كذلك وهذا نفاق أكبر.
ـ ومعلوم أن المنافق لا يحكم عليه بكفر ولا بشرك ولا بنفاق ولا يشك أحد في إسلامه مطلقا، رغم أنه في الآخرة يكون مخلدا في قعر جهنم.
ـ فالمسلم الذي يفقد الإحساس بقدر الله والآخرة لا يحكم عليه بكفر ولا بشرك ولا بنفاق ولا يشك أحد في إسلامه مطلقا، وذلك لأنه لا يستطيع أحد من العالمين أن يعلم على سبيل اليقين هل هو فاقد الشعور بقدر الله أم لا؟، والإنسان في نفسه فقط يعلم ذلك لأن غياب الإحساس بالقيمة هو أمر شعوري لا يستطيع أن يعلمه أحد في غيره، والإنسان الذي يعلم في نفسه أنه فاقد الإحساس بقدر الله والآخرة يكون فاقد الإحساس بخطورة هذا الأمر فلا يهتم به ويتغافل عنه!!.
ـ وفي نفس الوقت فإن غياب الإحساس بقدر الله والآخرة يجعل الإنسان مخلدا في النار وإن كان في الدنيا مسلما لا يشك أحدا في إسلامه، وهو يعلم ما في نفسه ويتجاهل الأمر.
ـ إذن كيف يكون الإنسان مسلما في الدنيا يحكم له بالإسلام ثم هو يوم القيامة يكون مخلدا في النار؟، ذلك يحدث مع المنافقين فهم في الدنيا مسلمون يحكم لهم بالإسلام ولا يحكم لهم بالنفاق الأكبر ولا بالكفر ولا بالشرك، رغم أنه يوم القيامة يكون مخلدا في قعر جهنم والعياذ بالله.
ـ ونفس الشيء عند المسلم إذا لم يكن لله والآخرة أي قيمة في شعوره وبالتالي لم يكن عنده حب الله والخضوع له والخوف منه ورجاءه، فكل هذه الأمور تجعل المسلم يقع في النفاق الأكبر مع بقاءه مسلما بين الناس لا يشك أحد في إسلامه، ولا أحد يعلم أنه لم يحقق هذه الأمور في نفسه إلا الإنسان في نفسه، لأن الإحساس بالقيمة وخوف المهابة والحب وخوف العقاب ورجاء الثواب والخضوع هي أمور في شعور الإنسان ومشاعره فلا يعلم وجودها إلا الإنسان في نفسه.
ـ والمسلم مهما عمل من المعاصي وإن ارتكب كل المعاصي التي في الدنيا فلا يؤثر ذلك في الحكم بإسلامه فهو مسلم لا يشك أحد في إسلامه.
ـ إذن فمن الممكن أن أكون أنا أو أنت قد وقعنا في النفاق الأكبر ونتناسى ونتغافل عن ما نحن عليه من النفاق ونحسب أننا من المهتدين، وقد يكون الإنسان من أشد الناس التزاما بالدين علما وعملا وحالا ومن أكابر الدعاة وقد وقع في النفاق الأكبر، لأن الإسلام ليس فقط علما وعملا وحالا ولكن شعورا أيضا، فتحقيق الإسلام في شعور الإنسان ومشاعره أهم من كل ذلك.
ـ فمثلا قد يظن الإنسان أن حب الله يملأ قلبه وفي الحقيقة ليس في قلبه شعور وإحساس بمشاعر الحب والشوق إلا تجاه امرأة أو شهوة أو أمر من أمور الدنيا.
ـ فمن الناس أموات خارج القبور فهم يأكلون ويشربون ويمشون ولكن ماتت وظائفهم لموت الإحساس بالقيمة عندهم، وهؤلاء الأموات إما أن يكونوا كافرين أو مسلمين وقعوا في النفاق الأكبر وهم يعلمون لكن لا يشعرون بخطورة ما هم عليه، فيتناسون ما هم عليه ويحسبون أنهم مهتدين، فهؤلاء في الدنيا وعند الناس هم مسلمين وليسوا منافقين ولا كافرين ولكن عند الله هم منافقين نفاق أكبر، وحقيقة اليقين عند هؤلاء المسلمين الأموات هي على عكس ما يدعون.
ـ ملحوظة:
ـ كل ما نذكره في الكتاب عن عدم وجود اليقين الحقيقي وعدم وجود الإيمان الحقيقي وعدم وجود التصديق الحقيقي والنفاق الأكبر لا علاقة له إطلاقا بالحكم على إسلام الفرد، فلو أن هناك مسلما وقع في كل صور النفاق الأكبر وترك اليقين بالله والآخرة ولم يؤمن بوجود الله والآخرة فكل ذلك في قلبه لا يستطيع أحد من الناس أن يعرف ما في قلبه ولا يجب عليه أن يفتش عما في قلبه وهو عند الناس مسلم يُشهد له بالإسلام والإيمان ولا يشك أحد أبدا في إسلامه، والله هو الذي يعلم ما في قلبه.
(1) الزمر: 45
(2) لقمان: 7