وإغفال القلب عن ذكر الرب والحيلولة بين المرء وقلبه وإنساء العبد نفسه وتقليب الأفئدة والأبصار ومرض القلب وموت القلب وإنكار القلب والحمية وترك إرادة الله تطهير القلب وزيادة القلوب مرضا على مرضها، والتولي والإعراض وغير ذلك.
ـ فلا يتحقق الإيمان حتى تكون الآخرة حقيقة واقعة في ذهن المؤمن يشعر بخطورتها وبالتالي تؤثر على مشاعره وهمومه وتفكيره وأمانيه لأنها الخطر المترقب والحياة المنتظرة، ولا يتحقق الإيمان حتى يكون وجود من له القوة والهيمنة والسيطرة على الإنسان والكون واقع في شعور المؤمن يشعر بمدى قدرته وبالتالي يعيش في إطار أنه مقهور يعيش تحت سيطرة صاحب هذا الكون راضيا بأن عليه أن يعيش عيشة الذل والخضوع والاستسلام للجبار المتكبر.
ـ من الناس من يظن أن الدين عبارة عن أعمال، فكلما أراد الالتزام بالدين اجتهد في الأعمال، ولكن المطلوب من المسلم ليس فقط الأعمال، فهناك مشاعر مطلوب من المسلم تحقيقها (عمل القلب) وبدون هذه المشاعر يقع المسلم في النفاق الأكبر بينما تقصيره في الأعمال هي معاصي قد يغفرها الله تعالى، وهذه المشاعر المطلوب تحقيقها مثل تحقيق الشعور بحب الله والشعور بخوف المهابة منه والشعور بالخضوع له والشعور بالخوف من الآخرة، ولكي تتحقق هذه المشاعر لابد أن يعمل على إحياء قلبه فيعود لوظائفه الإحساس بالقيمة فيستطيع عندئذ أن يتعرف على الله والآخرة حتى يتحقق اليقين الحقيقي بالله والآخرة.
ـ فهناك شرط من شروط الإيمان لا يتحقق الإيمان بغيره وهو عمل القلب مثل حب الله والخوف منه ورجاؤه والخضوع له، فالإيمان بالغيبيات لا يتحقق بمجرد الاقتناع النظري بل لابد أن يتحقق في مشاعر الإنسان وهمومه وأهدافه فيقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (( فالإيمان في القلب لا يكون إيمانا بمجرد تصديق ليس معه عمل القلب وموجبه من محبة الله ورسوله ونحو ذلك ) ) [1] .
ـ وهناك عنصر من العناصر لا يتحقق عمل القلب بغيره هو (الإحساس بالقيمة) وبالتالي هو شرط من شروط الإيمان، وهو شرط العقل السليم (القلب السليم) ، فبدونه أصبح الإنسان كأنه لا يعقل، وهذا العنصر هو الذي يجعل التصديق يؤدي إلى عمل القلب، فهو رابط بين التصديق وعمل القلب، فهذا الكتاب هو بيان لهذا العنصر الخطير وهو (الإحساس بالقيمة) .
ـ الدين عبارة عن عقيدة وعمل، والمشكلة أن البعض يظنون أن الاعتقادات مسألة معرفية فقط ولكن الاعتقاد بشيء ما لابد أن يكون معه إحساس بالقيمة لخطورة ما تعتقد حتى يكون الاعتقاد صحيحا، فالذي يعتقد بشيء وهو غافل عنه لا يشعر بقيمته وخطورته فاعتقاده غير صحيح، وهو عندئذ مثل المجنون الذي لا يعقل، فالعقيدة لابد أن يكون فيها الجانب المعرفي مع الجانب الشعوري.
ـ فهناك شرطان من شروط الإيمان، الشرط الأول هو ألا يكون مجنونا سواء لمرض عضوي (وهو عندئذ غير مكلف) أو بعدم استعمال عقله فلا يشعر بقيمة ما يعتقده (الطبع على القلب والوقر على الأذن والغشاوة على العين) ، والشرط الثاني هو عمل القلب.
ـ الدين عبارة عن جانب معرفي وجانب شعوري وجانب عملي، الجانب الشعوري عبارة عن أمران هما الإحساس بالقيمة والمشاعر، والخلل عندنا هو عدم وجود الجانب الشعوري فأصبح الإسلام عندنا كالجسد الميت ليس فيه الجانب الشعوري، إذن المطلوب هو تحقيق الجانب الشعوري.
ـ المادة العلمية في هذا الكتاب مستقاة من نصوص القرآن والسنة الصحيحة المحققة ومن خلال كتب التفسير وأقوال العلماء وأمهات كتب التراث، وجميع ذلك محققا وفي شكل منهجي ذو عناصر محددة واضحة وفي إطار منهج أهل السنة والجماعة، وأكثر النصوص مستقاة من موقع المكتبة الشاملة على الإنترنت (مكتبة إسلامية تحتوى على أكثر من ثمانية آلاف كتاب) جزي الله خيرا القائمين عليها خير الجزاء.
والله المستعان وعليه التكلان
الفصل الأول
العلاقة بين اليقين وغياب العقل!
ـ الفصل الأول: العلاقة بين اليقين وغياب العقل!
ـ إذا كان الرجل عنده يقين وليس عنده عقل فما فائدة اليقين عندئذ؟، فهو لا يعقل ما هو موقن به، فالذي يتجاهل ما هو موقن به كأنه لا يعقل فيقينه فيه خلل وليس يقينا حقيقيا.
(1) مجموع الفتاوى (ج: 7، ص: 529)