اشتهى ألوان الطعام سواء من حيث الكم أو الكيف، وكذلك الإنسان قبل أن يقضي شهوته، وكذلك الإنسان قبل أن يصبح غنيا أو قبل أن يحقق المنصب، فيظل الإنسان دائما يشعر أنه لم يحقق شهوات الدنيا فهو دائما فقير ويحتاج إلى المظاهر ويحتاج لشهوات الطعام والشراب حتى بعد أن يحقق هذه الشهوات: (( ... ولو كان لابن آدم واد لأحب أن يكون له ثان، ولو كان له واديان لأحب أن يكون لهما ثالث، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ) ) [1] ، فهو دائما يعيش في مرحلة ما قبل الوصول للشهوات.
ـ الإنسان يعيش من أجل مثلث السعادة، وهي شهوة المظاهر وشهوة المال وشهوة النساء والطعام والشراب، أو يعيش في مرحلة ما قبل تحقيق هذه الشهوات الثلاث، فمنهم من يريد ذلك في الدنيا، لأنه يرى أن مثلث السعادة في الدنيا، فيعيشون في صراع من اجل مثلث السعادة، ومنهم من يريد ذلك في الجنة، لأنه يرى أن مثلث السعادة في الجنة.
1 ـ شهوة النساء والطعام والشراب: فالإنسان يجد متعة في النظر إلى العورات والجماع والطعام والشراب.
2 ـ شهوة المال: هي المتع المادية كالتمتع بوسائل الحياة من سيارة ومسكن فاره ووسائل الترفيه وخدم وصحة جيدة.
3 ـ شهوة المظاهر: هو شهوة التفاخر بما عنده من منصب أو جاه أو من مال أكثر من غيره وكنز المال أو بما يتمتع به من وسائل رفاهية وسيارة .. الخ أو بما يتمتع به من شهوات النساء أكثر من غيره والطعام والشراب.
ـ ويتضح ضآلة شهوات الدنيا الثلاثة في أربعة نواحي هي:
1 ـ لأن شهوات الدنيا محدودة بحد لا تزيد عليه فالإنسان له قدرة محدودة لا يستطيع بعد هذا الحد الاستزادة منها، حيث يحدث الملل.
2 ـ لأنها وقتية فبعد إشباع الشهوة تنتفي الشهوة سواء شهوة الطعام أو شهوة الجماع، فمن علم ذلك لم يغتر بها واستطاع أن يعالج هذه الشهوات.
3 ـ أنها تقل مع تقدم العمر أو ضعف الصحة.
4 ـ أنها تزول بزوال الدنيا، ووقت الدنيا محدود.
ـ وأهم من كل ذلك أنها بالمقارنة بشهوات الجنة فهي تساوي صفر.
ـ وفيما يلي نبين كيف يكون الإحساس بضآلة شهوات الدنيا الثلاثة في حد ذاتها كالتالي:
ـ أولا: الإحساس بضآلة شهوة المال في حد ذاتها
ـ السعادة المادية في الدنيا ضئيلة وتتحقق بثلاثة أشياء هي ما جاء في الحديث: (( من أصبح منكم آمنا في سربه معافى في جسده عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها ) ) [2] ، فالإنسان لا يحتاج من الدنيا سوى إلى ثلاثة أمور هي:
1 ـ مكان ينام فيه: لأنه لو نام في الشارع لنام وهو قلق غير آمن فقد يدوسه شيء أو يؤذيه حيوان أو يسرقه سارق أو يضره التعرض للهواء المباشر، لذلك يحتاج لمكان محاط بأسوار وسقف حتى يحميه فيستطيع النوم فيه، ومهما توسع الإنسان في إمتلاك القصور فلا تزيد وظيفة هذه القصور عن أنها مكانا ينام فيه آمنا.
2 ـ لقمة يأكلها: لا يحتاج الإنسان من الطعام سوى لقيمات تسد جوفه، ومهما توسع الإنسان في ألوان الطعام والشراب من الفواكه والأطعمة المختلفة فجميعها يتحول إلى براز يحمله الإنسان في بطنه وينزل إلى المجاري، فلو زاد عن ذلك تعرض للأمراض، وفي الحديث: (( إن مطعم ابن آدم قد ضرب مثلا للدنيا وإن قزحه وملحه فانظر إلى ما يصير ) ) [3] ، وفي حديث آخر: (( عن الضحاك بن سفيان رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له يا ضحاك ما طعامك قال يا رسول الله اللحم واللبن، قال ثم يصير إلى ماذا؟، قال إلى ما قد علمت، قال فإن الله تعالى ضرب ما يخرج من ابن آدم مثلا للدنيا ) ) [4] ، فالمعدة عبارة عن خزان يمتلئ ليفرغ ويفرغ ليمتلئ، وهذا ما يؤكده الحديث: (( ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطنه ) ) [5] ، فالمعدة مجرد وعاء يملأه الإنسان ليفرغ ويفرغ ليمتلئ، وهو أسوأ وعاء لأنه كلما امتلأ فرغ ما به وتحول إلى براز يحمله الإنسان في بطنه طوال ليله ونهاره ويخرج منه كأقذر شيء!.
(1) تحقيق الألباني: صحيح (صحيح الجامع برقم: 1781)
(2) تحقيق الألباني: حسن (انظر حديث رقم: 6042 في صحيح الجامع)
(3) تحقيق الألباني: حسن (صحيح الجامع برقم 2195)
(4) حديث صحيح (صحيح الترغيب والترهيب، ج: 2، برقم 2151)
(5) تحقيق الألباني: صحيح (صحيح الجامع برقم: 5674)