حقيقة الدنيا فيكتشف حقارتها، فإنه ينخدع بمظهرها البراق وزينتها الجميلة، كما أن الشيطان يزين له الدنيا فتكون نظرته إلى الدنيا كبيرة، وتكون قيمة المال والشهوات في نظره عظيمة، فيرى حجم السعادة المتحصلة من ذلك كبيرة، فالشيطان يزين للإنسان أن قيمة الشهوات من طعام وشراب ونساء وأموال وأولاد ومظاهر ومتع ... الخ يزين له ذلك على أنه ذو قيمة كبيرة جدا وأن فيه سعادة هائلة للإنسان ونفع كبير، وكل شيء فيه معصية يزين الشيطان للإنسان أن فيه سعادة كبيرة وراحة ونفع كبير.
ـ فالعمى هو رؤية الأشياء على غير قدرها، والبصيرة هي رؤية الأشياء على قدرها الحقيقي، فمعنى الإحساس بالقيمة أن يتكون عند الإنسان بصيرة يرى بها الأشياء على حقيقتها: (( إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ ) ) [1] ، (( زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ) ) [2] ، (( أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ ) ) [3] ، (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ) ) [4] .
ـ فمثلا الشيطان قد يزين للإنسان أن ما في يد غيره أفضل مما في يده، ويزين أن ما يفعله غيره أفضل مما يفعله هو ولو كان ما يفعله غيره خطأ، ويزين له أن الممنوع مرغوب وإن كان لا قيمة له، ويجعله يتوهم المتعة في أشياء ضئيلة، فالشيطان يغير من قيمة الشيء في نظر الإنسان، فقد يجعل الشيء يبدو عظيم القيمة لمجرد أن الناس يقبلون عليه وهكذا.
ـ فقد لا يقع الإنسان في الشهوات، لكنه يعيش حياته متمنيا لها قريبا منها يدور حولها وإن لم يقع فيها، فهو ينشغل باله بالشهوات ويسمع عنها ويتكلم بها، ويجد سعادته في الإغراء بها وتمنيها، فهو قد لا يكون غنيا لكنه يتمنى أن يصل إلى الغنى، وقد لا يكون ليس ذو منصب أو جاه لكنه يتمنى أن يكون ذو منصب وجاه، وقد لا يصل إلى شهوة الفرج لكنه يتمناها وينظر للعورات ويستمع لكلام الشهوات، أو قد يكون وقع في قليل من الشهوات السابقة لكنه يتمنى المزيد، ويظل طول عمره يتمنى حتى يموت، فإذا كان تعظيمه لهذه الأماني أكبر من تعظيمه لله، وإذا كانت مشاعره متعلقة بهذه الأماني أكبر من تعلقها بالله فهو يعبد الأماني، كما أن هذه الأماني تلهيه وتشغله عن معرفة الله تعالى: (( ذَرْهُمْ يَاكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ) ) [5] ، (( يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أمر اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُور ) ) [6] (( ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ) ) [7] ، ويموت الإنسان ولا يزال عنده تمني ففي الحديث: (( خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطا مربعا، وخط في وسط الخط خطا، وخط خارجا من الخط خطا، وحول الذي في الوسط خطوطا، فقال هذا بن آدم وهذا أجله محيط به، وهذا الذي في الوسط الإنسان، وهذه الخطوط عروضه إن نجا من هذا ينهشه هذا، والخط الخارج الأمل ) ) [8] أي يموت ولا يزال عنده آمال لم تتحقق، فيظل الشيطان يلهيه حتى يموت.
ـ وربما يكون هناك متبرجات يعيشون حياة القرب من شهوة الزنا ويدورون حولها من قريب أو بعيد دون أن يصلوا إليها، وكذلك ربما بعض الناس رجالا ونساءا، وذلك لأن شهوة الإغراء بالزنا أكبر من شهوة الزنا لأن الشيطان يزين لهم ويعظم لهم قيمة الشهوات.
ـ وربما هناك صنف من الناس غافلون عن الله، وهم لا يفعلون خيرا ولا شرا، أو ما يفعلونه من شر ليس من الكبائر ولا من المحرمات الكبيرة، ويفعلون قليلا من الخير، لكنهم غافلون عن الله وأعمالهم أقرب إلى العادة، فهؤلاء لو وقعوا في المحرمات أو الذنوب الكبيرة ربما يفيقوا، لذلك فالشيطان حريص على أن يظلوا كما هم حتى يموتوا.
ـ والمؤمن يعيش في هذه الدنيا في مرحلة ما قبل تحقيق الشهوة، ولكن الشهوة هنا هي شهوات الجنة.
ـ هذه مرحلة الإفاقة حيث يعي الإنسان حقيقتها بعد أن يعاينها، والمعاينة أكبر صورة للتصور، ولكن قد يحدث هنا تجاهل وعدم تدبر لحقيقة هذه الشهوات بعد معاينتها، لأنه لو تدبر قليلا فإنه يفيق إلى حقيقة ضآلتها، بل إنه يتجاهل أنه قد حقق هذه الشهوات ويتصور أنه لا يزال لم يصل ويحتاج إلى المزيد منها لأنه لم يحققها، فيظل يعيش في مرحلة ما قبل الوصول للشهوات.
ـ فمثلا الإنسان الجائع قد يكون عنده تزيين لمدى اللذة في ألوان الطعام والشراب، ولكن بعد أن يأكل يجد أن القضية هي لقيمات تسد الجوف حيث أن طاقته لا تسمح بمزيد من الطعام وأن لذة الطعام تقل كلما أكل أكثر، لكنه يتناسى ذلك فكلما جاع
(1) الملك: من الآية 20
(2) البقرة: من الآية 212
(3) محمد: 14
(4) فاطر: 5
(5) الحجر: 3
(6) الحديد: 14
(7) الجاثية: 35
(8) قال الشيخ الألباني: صحيح (جامع الترمذي ج: 4، ص: 635، برقم 2454)