السَّمِيعُ الْعَلِيمُ )) [1] ، (( قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ) ) [2] ، وعدم وجود ذلك القلق والترقب والانتظار يعني أن لقاء الله والآخرة هو مجرد يقين نظري فقط.
ـ يبين القرآن أن المؤمنين هم الذين يخافون الآخرة ويخافون من الله تعالى:
ـ ففي أيسر التفاسير: (( {وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم} يوم القيامة وهم مذنبون، وليس لهم من دون الله ولي ولا شفيع، فهؤلاء ينفعهم إنذارك بالقرآن أما الكفرة المكذبون فهم كالأموات لا يستجيبون وهذا كقوله تعالى من سورة ق {فذكر بالقرآن من يخاف وعيد} ) ) [3] ، (( إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ ) ) [4] ، (( يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ ) ) [5] ، (( يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ ) ) [6] ، وفي تفسير ابن كثير: (( {قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ} أي: قد كنا في الدار الدنيا ونحن بين أهلنا خائفين من ربنا مشفقين من عذابه وعقابه، {فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ} أي: فتصدق علينا وأجارنا مما نخاف ) ) [7] ، فالآخرة أمر مرعب مخيف يجعل الإنسان يخاف من مهابتها، كما أنه يخاف من الخلود في النار إذا لم يمت على الإيمان، ويخاف من عقاب الذنوب فكل إنسان يقع في المعاصي إلا الرسل فهم معصومون.
ـ ومعني أن شيئا ما لا تحبه ولا ترجوه ولا تخافه إذن هو في نظرك أمر غير مهم، والأمر الغير مهم أمر غير خطير تأخذه علي سبيل الهزل وليس علي سبيل الجد، والله يقول: (( إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ، وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ ) ) [8] ، فإن الآخرة أمر خطير وقول فصل وأمر لا يحتمل التراخي والهزل، فالإنسان عندئذ بمشاعره يستهزئ بأمر الآخرة ويسخر منها رغم وجود اليقين النظري التام بالآخرة.
ـ وفي تفسير التحرير والتنوير: (((كَلاَّ بَلْ لَا يَخافُونَ الْآخِرَةَ) ... بَلْ لَا يَخافُونَ الْآخِرَةَ أَيْ لَيْسَ مَا قَالُوهُ إِلَّا تَنَصُّلًا فَلَوْ أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ كِتَابٌ مَا آمَنُوا وهم لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ، أَيْ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا، فَكُنِّيَ عَنْ عَدَمِ الْإِيمَانِ بِالْآخِرَةِ بِعَدَمِ الْخَوْفِ مِنْهَا، لِأَنَّهُمْ لَوْ آمَنُوا بِهَا لَخَافُوهَا إِذِ الشَّانُ أَنْ يخَاف عَذَابهَا )) [9] .
ـ وفي تفسير الهداية الى بلوغ النهاية: (( {بَلْ كَانُوا لاَ يَرْجُونَ نُشُورًا} ، أي: لم يكذبوا محمدًا، لأنهم لم يكونوا يرون القرية وما حل بها، ولكنهم كذبوه من أجل أنهم قوم لا يخافون نشورًا بعد الموت، أي: لا يؤمنون بالآخرة ) ) [10] .
ـ عدم تفاعل المشاعر بالشيء ينشأ من الغفلة عن ذلك الشيء، والآيات تبين أن الغفلة عن الآخرة ونسيان الآخرة نفاق أكبر: (( فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا ) ) [11] ، (( فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ ) ) [12] ، (( وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ ) ) [13] ، (( اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ ) ) [14] ، وقد أوضحنا الأدلة على أن الغفلة نفاق أكبر بالفصل الأول.
1 ـ الصنف الأول: هم الذين يتطلعون ويترقبون وينتظرون ويتوقعون ويرجون الموت والآخرة ولقاء الله تعالى:
ـ فهؤلاء يعيشون في الدنيا معيشة من يقف في مكان ما ينتظر أحدا على موعد لمقابلته وهو قلق ينظر في الساعة دائما ويتلفت يمينا وشمالا لعل من ينتظره قادم الآن، فلحظات الانتظار هذه هي فترة عمره يبقى طوال حياته الدنيوية في حالة ترقب وانتظار وتوقع مجيء الموت والآخرة ولقاء الله في أي لحظة وإعلان النتيجة لما يصنعه في الدنيا.
ـ فهؤلاء يعيشون سنوات عمرهم في حالة تأهب وترقب واستعداد نفسي متطلعين إلى اليوم المحتوم الذي يعيشون من أجله منتظرين مجيء اليوم الذي يصلون فيه إلى بيتهم بعد سفر طويل!.
ـ وهؤلاء يعيشون حياتهم معيشة المسافر عابر السبيل الذي ينظر إلى الحياة الدنيوية على أنها مؤقتة فانية وأنه راحل إلى حياة الخلود حيث داره وأهله ومعيشته.
ـ وهؤلاء عندهم شعور بالترقب والانتظار والتطلع والطموح إلى الآخرة ولقاء الله، فذلك هدفهم وغايتهم التي يعيشون من أجلها.
ـ وهؤلاء يريدون الآخرة ولا يريدون الدنيا، يعيشون معيشة المتوقع المنتظر مجيء الموت والآخرة ولقاء الله.
ـ وهؤلاء يعيشون في حالة قلق وإشفاق وخوف من الآخرة، ويستمر ذلك طوال حياتهم وأثناء أداءهم للأعمال، وبالتالي عندهم صبر على ما في الدنيا من آلام أو من ترك الشهوات انتظارا لشهوات أخرى بديلة هي أعظم ولا تنتهي.
ـ فاليقين الحقيقي بالآخرة يؤدي إلى شعور باقتراب الآخرة وشعور بالترقب والانتظار والتطلع إلى الآخرة ولقاء الله، وهذا الانتظار فيه قلق وإشفاق وخوف وفيه أيضا طموح وأمل في الجنة، ويكون عنده استعداد نفسي وتأهب للموت واستعداد نفسي لترك الأهل والمال والطعام والشراب، ويكون عنده خوف من الآخرة وحب للجنة وخوف من النار.
ـ وهؤلاء عندهم صبر طويل، فهم يصبرون على الدنيا منتظرين الآخرة، والصبر على الدنيا معناه أن يصبر الإنسان مدة الستين سنة أو أكثر أو أقل حسب عمر الإنسان باعتبار أن هذه السنوات ما هي إلا لحظات منتهية ضئيلة في عمر الآخرة، فالذي يوقن فعلا بالآخرة ويشعر بها فإنه يصبر على أيام هذه الدنيا حتى تنقضي، لأن الإنسان منشغل عن الدنيا بانتظار الآخرة، ولأنه يشعر بأن الدنيا عابرة وتمر سريعا: (( فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا، إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا، وَنَرَاهُ قَرِيبًا ) ) [15] .
ـ وعدم وجود هذا الشعور بالاستعداد والتأهب والتطلع إلى الآخرة معناه عدم وجود اليقين الحقيقي بالآخرة.
ـ وفي تفسير أبي السعود: (( وارجوا اليوم الأخر أي توقعوه وما سيقع فيه من فنون الأهوال وافعلوا اليوم من الأعمال ما تأمنون غائلته ) ) [16] .
ـ (( فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ) ) [17] ، (( مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) ) [18] .
ـ إذا كان اليقين الحقيقي بأن الآخرة دار استقرار فلابد من وجود الشعور بقلق الانتظار.
2 ـ الصنف الثاني: وهم الذين لا يتطلعون ولا يترقبون ولا ينتظرون الموت والآخرة ولقاء الله تعالى، فيعيشون حياة التلهي بالدنيا والاندماج والاطمئنان بأمور لعبها ولهوها:
ـ من الناس من عنده طول أمل وطموحات في أمور الدنيا لكن ليس عنده أي أمل أو طموح في الآخرة فليست الآخرة من أهدافه فلا يرجوها رغم أنه مصدق بالآخرة.
ـ فهؤلاء لا يريدون أن يموتوا فيعيشون كأن الموت لن يأتيهم، وهم مشغولون بالدنيا لا يترقبون الآخرة.
ـ (( إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ(7) أُولَئِكَ مَاوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ )) [19] ، وفي أيسر التفاسير: (( لا يرجون لقاءنا: أي لا ينتظرون ولا يؤملون في لقاء الله تعالى يوم القيامة، ورضوا بالحياة الدنيا: أي بدلًا عن الآخرة فلم يفكروا في الدار الآخرة، واطمأنوا بها: أي سكنوا إليها وركنوا فلم يروا غيرها حياة يُعمل لها، غافلون: لا ينظرون إليها ولا يفكرون فيها ) ) [20] ، وفي تفسير التسهيل لعلوم التنزيل: (( إن الذين لا يرجون لقاءنا ... وقيل(لا يرجون) لا يتوقعون أصلا ولا يخطر ببالهم، (ورضوا بالحياة الدنيا) أي قنعوا أن تكون حظهم
(1) العنكبوت: 5
(2) الكهف: 110
(3) أيسر التفاسير للجزائري (2/ 64)
(4) فاطر: 18
(5) الشورى: 18
(6) النور: من الآية 37
(7) تفسير ابن كثير (ج: 7، ص: 435)
(8) الطارق: 13، 14
(9) التحرير والتنوير (ج: 29، ص: 331)
(10) الهداية الى بلوغ النهاية (ج: 8، ص: 5227)
(11) الأعراف: 51
(12) السجدة: 14
(13) الروم: 7
(14) الأنبياء: 1
(15) المعارج: 5 ـ 7
(16) تفسير أبي السعود (7/ 39)
(17) الكهف: 110
(18) العنكبوت: 5
(19) يونس: 7، 8
(20) أيسر التفاسير للجزائري (2/ 450)