فهرس الكتاب

الصفحة 147 من 168

الآخرة لا يتحقق إلا إذا تحقق الإحساس بقدر ضآلة الدنيا وفي الحديث: (( يُؤْتَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا مِنَ الْكُفَّارِ فَيُقَالُ اغْمِسُوهُ في النَّارِ غَمْسَةً، فَيُغْمَسُ فِيهَا ثُمَّ يُقَالُ لَهُ أَىْ فُلأن هَلْ أَصَابَكَ نَعِيمٌ قَطُّ، فَيَقُولُ لاَ مَا أَصَابَنِى نَعِيمٌ قَطُّ، وَيُؤْتَى بِأَشَدِّ الْمُؤْمِنِينَ ضُرًّا وَبَلاَءًا، فَيُقَالُ اغْمِسُوهُ غَمْسَةً في الْجَنَّةِ، فَيُغْمَسُ فِيهَا غَمْسَةً فَيُقَالُ لَهُ أَىْ فُلأن هَلْ أَصَابَكَ ضُرٌّ قَطُّ أَوْ بَلاَءٌ فَيَقُولُ مَا أَصَابَنِى قَطُّ ضُرٌّ وَلاَ بَلاَءٌ ) ) [1] ، وبالتالي من عرف حقيقة الدنيا فقد عرف حقيقة الآخرة، ومن عرف حقيقة نفسه فقد عرف الله، أي من عرف ضآلة نفسه عرف عظمة ربه، ومن عرف ضآلة الدنيا عرف خطورة الآخرة، وطالما أن الإنسان لا يزال مغرور بألوان السعادة في الدنيا ويظن فيها سعادة كبيرة وتنشغل بها أكبر همومه ومشاعره فهو لا يزال لا يوقن يقينا حقيقيا بالآخرة وبعظمة الله وخطورة أن الله مطلع عليه.

ـ الإنسان يحب متع النساء والخمور والقصور ويعيش لذلك، فمن الناس من يرى أن هذه المتع في الدنيا فيعيش لها، فهو الكافر أو المنافق، أما المؤمن فيرى أن هذه المتع في الجنة فيعيش لها وقلبه يشتاق إلى نساء الحور العين وجمالهن وحلاوة جماعهن ولذة الخمور وفخامة القصور.

ـ وهنا ينكشف اليقين الحقيقي بالجنة، فالذي لا يشعر بأي قدر من حب الجنة والشوق لها والتعجب (خوف المهابة) من مدى ما فيها من ألوان النعيم هو في حقيقته يقول بمشاعره أن الجنة أساطير الأولين وحواديت الشاطر حسن!، وإن موقنا بالجنة يقينا نظريا تاما، فالحور العين بالنسبة له كأنهن نساء خيالية وليست نساء حقيقية فيها لذة أمتع من كل نساء العالم!، فلو كان موقنا بهن حقا لعاش من أجل الوصول إليهن وزهد في نساء الطين!.

ـ الإحساس بمعنى الخلود في الجنة:

ـ إنها السعادة الأبدية في متعة ولذة بلا حدود وإلى الأبد ومع الجميلات الفاتنات الساحرات من الحور العين ليس مائة سنة ولا ألف ولا مليون ولا مليار سنة إنها حياة بلا نهاية، قارن هذا أمام السنوات الحقيرة المعدودة في الدنيا، فلا وجه للمقارنة أصلا، فإنك في الجنة سوف تبقي شباب للأبد بلا مرض ولا ضعف ولا موت مع كل ألوان المتع.

ـ الشعور بأن الجنة هي المستقبل القريب والطموح والأمل:

ـ لماذا تؤمل في متع من الدنيا ضئيلة وتنتظرها وتفكر فيها في حين أنك قريبا جدا تصل إلى متع بلا نهاية بلا حدود، فالجنة بعد لحظات ولكنك لا تدري فما سنوات العمر إلا لحظات ففي الحديث: (( الْجَنَّةُ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ، وَالنَّارُ مِثْلُ ذَلِكَ ) ) [2] ، فابقي كما أنت تؤمل في متع وملذات ولكن في متع وملذات الجنة، وفي الحديث عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: (( مَرَّ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَنَحْنُ نُعَالِجُ خُصًّا لَنَا فَقَالَ: مَا هَذَا؟، فَقُلْتُ خُصٌّ لَنَا وَهَى نَحْنُ نُصْلِحُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: مَا أُرَى الأمر إِلاَّ أَعْجَلَ مِنْ ذَلِكَ ) ) [3] .

ـ الإحساس بوجود النار:

ـ إن الغرض الأصلي من وجود النار في الدنيا هو أنها تذكرة لنار الآخرة: (( نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ ) ) [4] ، ولو كانت نار الآخرة كذلك لكفت، ففي الحديث: (( ناركم هذه التي توقدون جزء واحد من سبعين جزءا من حر جهنم، قالوا والله إن كانت لكافية يا رسول الله قال فإنها فضلت بتسعة وستين جزءا كلهن مثل حرها ) ) [5] .

ـ لو كانت الشمس هي نار الآخرة لكانت كافية، فيمكن أن نتخيل أن الشمس هي نار الآخرة فإذا رأينا مدى حجمها وشدة نارها بحيث أنها يمكن أن تبتلع الأرض ومن عليها ولا يمثل ذلك من حجمها سوى واحد على مليون من حجمها، وشدة نارها تصل إلى ملايين الدرجات المئوية، وحر الصيف الذي نعيشه هو مجرد اقتراب بسيط جدا من الشمس فنحن على مسافة هائلة منها، فالشمس عبارة عن كتلة هائلة من النار معلقة في الفضاء ونحن على هذه الكرة ندور حول هذه الشمس في دورة كل عام، فإذا ما تصورنا حجم هذه النار ووجودها وأننا ندور حولها وأثرها الواصل إلينا فيمكننا أن نتصور مدى خطورة نار الآخرة الأكثر شدة والتهابا.

(1) قال الشيخ الألباني: صحيح (سنن ابن ماجه ج:2، ص: 1445، برقم: 4321)

(2) تحقيق الألباني: صحيح (انظر حديث رقم: 3115 في صحيح الجامع)

(3) قال الشيخ الألباني: صحيح (سنن ابن ماجه ج: 2، ص: 1393، برقم: 4160)

(4) الواقعة: 73

(5) قال الشيخ الألباني: صحيح (جامع الترمذي ج: 4، ص: 709، برقم 2589)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت