ـ وحيث أن وجود هذه الشمس التي هي نار معلقة في الفضاء أمر عجيب وخارق للأسباب حيث أنها لا تقع وحيث أنها بهذه الشدة والالتهاب وحيث أنها ما زالت موقدة ولم تنطفئ على مدى مليارات السنين من قبل خلق البشر أساسا، فما بالك إذن بنار الآخرة.
ـ وجميع النجوم مثل الشمس عبارة عن نار هائلة معلقة في الفضاء، ومنها ما هو أضخم من الشمس ملايين المرات، وهذه النجوم ما هي إلا عبارة عن زينة للسماء فانظر إلى مدى قدرة الله تعالى.
ـ ونار الآخرة موجودة الآن وبالطبع هي أضخم من كل هذه النجوم.
ـ الإحساس بمدي عذاب وألم النار:
ـ إذا ذهبت إلى قسم الحرائق بأحد المستشفيات ونظرت كيف تفعل النار في الجسم، بماذا تشعر؟، وهذا بعد أن حدث الحريق فما بالك لو رأيت حادثة ما فيها أحدًا يحترق، وما بالك إذا كنت أنت المصاب في هذه الحادثة؟، إن أهل النار يسمع لجلودهم أزيز من الاحتراق مثلما توضع الدجاجة في النار لتشوي، فما بالك لو أنك أنت في مكان هذه الدجاجة، إذا لم يتحقق عندك الشعور بالخوف من النار فإن النار في مشاعرك لا تنفع ولا تضر مثل النار التي وضع فيها سيدنا إبراهيم عليه السلام، فإن نار الآخرة في الاقتناع النظري عذابها شديد أما نار الآخرة في مشاعر البعض فإنها نار لا تحرق قد سلبت منها خاصية الإحراق، فنار الآخرة لا وجود لها في مشاعر البعض.
ـ ومما ورد في عذاب أهل النار ما جاء في تفسير ابن كثير: (((ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ) .. قال ابن عباس فاسلكوه تدخل في أسته ثم تخرج من فيه ثم ينظمون فيها كما ينظم الجراد في العود حين يشوى )) [1] ، وفي تفسير القرطبي: (( وقال مقاتل لو أن حلقة منها وضعت على ذروة جبل لذاب كما يذوب الرصاص، وقال كعب إن حلقة من السلسلة التي قال الله تعالى ذرعها سبعون ذراعا أن حلقة منها مثل جميع حديد الدنيا، فاسلكوه قال سفيان بلغنا أنها تدخل في دبره حتى تخرج من فيه ) ) [2] ، وفي الحديث: (( لو كان في هذا المسجد مائة ألف أو يزيدون وفيهم رجل من أهل النار فتنفس فأصابهم نفسه لاحترق المسجد ومن فيه ) ) [3] ، وفي الحديث: (( إن في النار حيات أمثال أعناق البخت يلسعن اللسعة فيجد حموتها أربعين خريفا، إن فيها لعقارب كالبغال الموكفة يلسعن اللسعة فيجد حموتها أربعين خريفا ) ) [4] .
ـ الإحساس بضآلة آلام الدنيا أمام ألم النار:
ـ إن نار الآخرة أمر أبعد من كل تصوراتنا وخطر من أشد ما يمكن، وإذا وضعت مقارنة بين نار الآخرة وكل مخاوف الدنيا وآلامها فإنها لا تساوي شيئا، وفي الحديث: (( يُؤْتَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا مِنَ الْكُفَّارِ فَيُقَالُ اغْمِسُوهُ في النَّارِ غَمْسَةً، فَيُغْمَسُ فِيهَا ثُمَّ يُقَالُ لَهُ أَىْ فُلأن هَلْ أَصَابَكَ نَعِيمٌ قَطُّ، فَيَقُولُ لاَ مَا أَصَابَنِى نَعِيمٌ قَطُّ، وَيُؤْتَى بِأَشَدِّ الْمُؤْمِنِينَ ضُرًّا وَبَلاَءًا، فَيُقَالُ اغْمِسُوهُ غَمْسَةً في الْجَنَّةِ، فَيُغْمَسُ فِيهَا غَمْسَةً فَيُقَالُ لَهُ أَىْ فُلأن هَلْ أَصَابَكَ ضُرٌّ قَطُّ أَوْ بَلاَءٌ فَيَقُولُ مَا أَصَابَنِى قَطُّ ضُرٌّ وَلاَ بَلاَءٌ ) ) [5] ، إلا أنك إذا قارنت بين الحالة النفسية للخوف من أي أمر دنيوي وبين الحالة النفسية للخوف من الآخرة تجد حالة خوف حقيقية هائلة في النفس من الأمر الدنيوي في حين لا تجد أي شعور نفسي حقيقي عند مَنْ يدعي الخوف من النار، وإذا افترضنا أنه وُجد فلا يساوي واحد علي ألف من أقل شيء مخيف في الدنيا، فلا ألم في ألم بعده الجنة ولا راحة في راحة بعدها النار، لذلك فالعاقل يستوي عنده ألم الدنيا مع نعيمها: (( لِكَيْلا تَاسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ) ) [6] ، فقارن بين مخاوف الدنيا الفانية وبين الشقاء إلى الأبد فتعيش في عذاب بلا حدود وإلى الأبد، فإن كل آلام الدنيا وهمومها وأحزانها ومشاكلها ليست بشيء أمام آلام النار.
ـ ومن لم يشعر بالفارق بين آلام الدنيا وألم النار باع إيمانه مخافة آلام الدنيا وسقط في اختبار الابتلاءات: (( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ ) ) [7] ، أما من شعر بهذا الفارق لم تهمه آلام الدنيا، وفي الحديث: (( لو أن رجلا يجر على وجهه من يوم ولد إلى يوم يموت هرما في مرضاة الله عز وجل لحقره يوم القيامة ) ) [8] .
ـ إن كل آلام الدنيا ومشاكلها وهمومها ليست بشيء أمام ألم النار يوم القيامة، فمن كان يشعر بألم الكراهية والضيق لآلام الدنيا ومشاكلها وهمومها وخطورتها ولا يشعر بألم الكراهية والضيق والاشمئزاز لآلام النار في الآخرة (خوف المهابة من شدة النار) فذلك لأن النار في مشاعره خيال وأساطير الأولين!.
(1) تفسير القرآن العظيم ـ اسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي ـ دار الفكر ـ بيروت (ج: 4، ص: 417)
(2) الجامع لأحكام القرآن (ج: 18، ص: 272) ـ محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح القرطبي ـ دار الشعب ـ القاهرة.
(3) حديث صحيح (صحيح الترغيب والترهيب برقم 3668)
(4) حديث صحيح (السلسلة الصحيحة برقم 3429)
(5) قال الشيخ الألباني: صحيح (سنن ابن ماجه ج:2، ص: 1445، برقم: 4321)
(6) الحديد: 23
(7) العنكبوت: من الآية 10
(8) السلسلة الصحيحة (446)