ـ لا تتحقق التقوى بغير الخوف من الله، ولن ينجو الإنسان من النار إلا إذا كان من المتقين: (( ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا ) ) [1] .
ـ وعد الله المؤمنين بالتمكين في الأرض: (( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ ) ) [2] ، وجعل الخوف من مهابة الله والخوف من عقابه شرط للتمكين: (( وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ ) ) [3] ، إذن فلا يتحقق الإيمان بغير الخوف من الله.
ـ التعامل مع المعلومات المؤثرة (ومنها العقيدة) يستلزم تأثر المشاعر والهموم والأهداف، وهذا أمر فطري، فالذي يرى الأسد ويوقن تماما بأنه أسد فإنه يخاف منه، والذي يرى شيئا جميلا فإنه يحبه، والذي يقف عند ملك من ملوك الدنيا فإنه يخاف من مهابته، وهكذا، ولكن حيث أن الله وحده الملك ووحده النافع الضار فلا يخاف غيره ولا يحب سواه إلا ما هو خارج عن إرادة الإنسان من أمور الفطرة، فإذا أخبرك إنسان بأن أباك قد مات فإنك تحزن، وهكذا.
ـ إدعاء وجود خوف المهابة والحب وخوف العقاب ورجاء الثواب والخضوع:
ـ لقد أصبح كثير من الناس مخدوعون في أنفسهم يظنون أنهم يحبون الله ويخافونه ويخضعون له ويخافون الآخرة رغم أنه لا يوجد عندهم ولو ذرة واحدة من ذلك، فرغم أن هذه المعاني بسيطة ويعرفها الصغار والكبار لكن مات معناها الحقيقي، لذلك أصبحنا نحتاج إلى توصيف وتعريف معنى شعور الإنسان بالخوف أو بالحب أو بالخضوع حتى يستطيع أن يعرف الإنسان في نفسه بدقة هل هذه المشاعر موجودة أم لا؟.
ـ ورغم بساطة هذه المشاعر فعدم وجودها يعني الخلود في النار ووجودها يعني الخلود في الجنة، ومع ذلك لا يهتم أحد بتوصيفها للتأكد من وجودها أم لا، وقد يعتبر توصيف هذه المشاعر نوعا من الفلسفة! رغم أنها مسألة خلود في الجنة أو خلود في النار.
ـ أحد أهم الأشياء التي يتجاهلها الإنسان وهي هل حقق الإنسان الحالة النفسية المميزة لخوف المهابة والحب وخوف العقاب ورجاء الثواب والخضوع لله والخوف من الآخرة أم لا؟، وأن يجتهد في تحقيقها ولو طول عمره، وذلك بدوام التفكر والتذكر مع حضور القلب.
ـ ونستطيع أن نحدد بمنتهى الدقة أن عدم وجود هذه المشاعر يرجع إلى غياب الإحساس بقدر الله والآخرة (الغفلة) ، فطالما لا يزال لم يتحقق ذلك بعد فهذا يعني أن مشاعر الإيمان ما زالت غير موجودة بالضرورة، لأن من عرف الله معرفة حقيقية نشأ عن ذلك تلقائيا وبالضرورة محبته والخوف منه والخضوع له.
ـ وطبيعي أن الشيء الذي ينبني عليه الخلود في الجنة أو النار لابد أن يكون شيئا بسيطا جدا بحيث يعرفه كل الناس مهما كانت بساطتهم وعلى جميع مستوياتهم، فكل الناس يعرفون معنى حب الشيء والخوف منه ومعنى الخضوع والاستسلام.
ـ وقد أوضحنا حقيقة خوف المهابة والحب وخوف العقاب ورجاء الثواب والخضوع، وقمنا بتحليل كل شعور من هذه المشاعر من داخل النفس وأوضحنا الحالة النفسية المميزة لكل شعور من هذه المشاعر حتى يتبين لمن يدعى حب الله والخضوع له وأن الله غايته أنه مخدوع وأن مشاعر الإيمان غير موجودة عنده وأن اقتناعه بوجودها هو مجرد وهم وخداع يخدع الإنسان به نفسه.
ـ شرط وجود المشاعر المتعلقة بالله والآخرة هو وجود الحالة النفسية المميزة لذلك الشعور:
ـ وهو شرط بديهي جدا من الفطرة، وبالتالي فهو حجة على جميع الناس مهما اختلفت ثقافاتهم ومستوى فهمهم ولا عذر فيه لأحد لأنه لا يجهله أحد.
ـ لابد من وجود الحالة النفسية والعاطفية والوجدانية والمزاجية والحالة الانفعالية المناسبة لكل شعور وما فيها من الشعور بالضيق أو الألم أو الشعور بالفرح والسرور، وإلا فإن هذا الشعور غير موجود وهو مجرد إدعاء، فإن حب الله مثلا ليس شيئا هلاميا غير مفهوم وإنما هو من نفس جنس الشعور بالحب الذي يعرفه الإنسان ويشعر به، فإذا أردنا تعريف الحالة النفسية للخوف مثلا فنقول هو الحالة النفسية التي تحدث للشخص عندما يتعرض لخطر ما (مثلا طالب ينتظر نتيجة امتحان) ، وتفسير هذه الحالة النفسية من داخل النفس واضح يشعر به كل إنسان وإن صعب عليه التعبير عما يحس به، أو مثلا الغضب تجد له انفعال عصبي داخلي يشعر به الإنسان الغاضب كما يظهر علي سلوكه وانطباعاته، أو مثلا الطمأنينة هو حالة نفسية فيها شعور بالارتياح والسكينة ... الخ، فلابد من توصيف الحالة النفسية المصاحبة لكل شعور من المشاعر.
ـ ملحوظة:
ـ المشاعر مرتبطة ببعضها وتحدث معا، فمثلا الذي يحب الله فهو يخافه ويخاف من الآخرة ويشعر بالغربة ... الخ، وكذلك كل مشاعر الإيمان مرتبطة ببعضها، وكذلك الهموم والأهداف مرتبطة مع المشاعر فتحدث جميعا معا لأنها مستمدة من شيء واحد وهو معرفة الله والآخرة معرفة حقيقية.
ـ مهما وصفت لك الحالة النفسية لكل شعور من المشاعر فلن تكون مثل الحالة النفسية لإنسان حققها فعلا، فمهما وصفت لك حال الطالب عند الامتحان وما ينتابه من قلق وخوف فلن يكون مثلما تعاين أنت هذا الأمر فتشعر بهذا الشعور، ففي الحديث: (( ليس المخبر كالمعاين ) ) [4] .
ـ إذا لم تكن تشعر بشيء من الحالة النفسية للشعور بحب الخالق أو بشيء من الحالة النفسية للشعور بالخضوع له أو بشيء من الحالة النفسية للشعور بخوف المهابة منه فهذا ناشئ من غياب الإحساس بالقيمة (الغفلة) ، وهذا معناه الوقوع في النفاق الأكبر، ولن يتحقق الإيمان الحقيقي حتى تتحقق مشاعر الإيمان.
ـ الفرق بين تحقيق مشاعر الإيمان والاقتناع بالعمل على تحقيقها:
إن العبرة بتحقيق مشاعر الإيمان مثل خوف المهابة والحب وخوف العقاب ورجاء الثواب والخضوع والخوف من الآخرة ... الخ، وليست العبرة بالاقتناع بها وتمني التحلي بها والدعوة إليها وتعليمها الناس ولا حتى السعي نحوها دون الوصول لتحقيقها، فمن هذا حاله فلا فائدة من عمله: (( أَتَامُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ ) ) [5] ، وفي الحديث: (( مثل الذي يعلم الناس الخير وينسى نفسه مثل الفتيلة تضيء للناس وتحرق نفسها ) ) [6] ، وحتى لو كان الإنسان عالما عاملا بكل أمور الدين والدنيا من غير أن يحقق مشاعر الإيمان فلا يغني ذلك عنه شيئا، ومن الناس مَنْ يظل طول عمره يقول أنا مقصر في هذه المشاعر وأريد تحقيقها: (( قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ، فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ ) ) [7] ، فهذه المشاعر من الثوابت التي يقرها الجميع وعلى اقتناع نظري تام بأهميتها وأهمية تحقيقها، ولكن مَنْ يحققها فعلا؟!: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ ) ) [8] ، وإنك لتجد الكثير ممَنْ يدعي أنها متحققة في نفسه: (( فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ) ) [9] ، (( وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ ) ) [10] .
ـ ولا يكفي تحقيق مشاعر الإيمان ولكن لابد من الاستمرارية والثبات على ذلك بدوام التفكر والتدبر مع حضور القلب.
ـ ينشأ ذلك من ضعف اليقين الحقيقي بالله والآخرة أو من غياب اليقين الحقيقي بالله والآخرة.
ـ المؤمن إذا وصل إيمانه إلى درجة الكمال فهذا معناه إحساسه بان غير الله لا قيمة له مطلقا ولا نفع فيه ولا ضرر، وان الله وحده هو النافع الضار، وعندئذ تتعلق مشاعره وأهدافه بالله وحده وتنقطع عن غير الله أي وتنقطع عن الشهوات والناس والأعمال الدنيوية والأشياء، فإذا أحب شيئا أحبه في الله وإذا عمل شيئا عمله لله، وأصبح لا يخاف إلا من الله ولا يحب إلا الله ولا يرجو إلا الله، ويستثنى من ذلك المشاعر الجبلية المفطور عليها الخارجة عن إرادته كخوفه من الأسد إذا هجم عليه.
ـ فإذا تعلقت مشاعر الإنسان وأهدافه بالشهوات أو بالناس أو بالأعمال الدنيوية أو بالأشياء ولكن كان تعلقها بالله اكبر فذلك من ضعف الإيمان، وإذا كان تعلقها بغير الله أكبر فذلك نفاق اكبر.
ـ وتعلق المشاعر بغير الله يعني تعلق المشاعر والأهداف بثلاثة أمور هي الشهوات والناس والأعمال الدنيوية، والله أمرنا بألا تتعلق مشاعرنا بهذه الأمور الثلاثة، ورغم ذلك أمرنا بالقيام بها في حدود الحلال وذلك للاختبار ليرى الله هل ستتعلق مشاعر الإنسان بهذه الأمور الحلال فتشغله عن الله أم لا؟، وهل سيقع في الحرام وتتعلق به مشاعره فتشغله عن الله أم لا؟ ونوضح هذه الأمور كالتالي:
(1) مريم: 72
(2) النور: 55
(3) إبراهيم: 14
(4) التخريج: صحيح (تخريج الطحاوية، ص: 377)
(5) البقرة: 44
(6) صحيح الجامع (5837)
(7) الأنبياء: 14، 15
(8) الصف: 2
(9) العنكبوت: من الآية 3
(10) العنكبوت: 11