ـ تعلق المشاعر والأهداف بالشهوات من الغباء لان الدنيا لان هذه الشهوات لا لذة فيها ولا نفع فيها بالمقارنة بشهوات الجنة كما أن عليها عقوبة هائلة يوم القيامة كما أنها ضئيلة في حد ذاتها وتفنى بفناء الدنيا.
ـ وتعلق مشاعر الإنسان بالناس من الغباء لان الناس لن ينفعوه حتى لو كانوا اقرب الناس إليه كالزوجة والأولاد والأقارب والأصحاب، ففي الحديث: (( .. واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك ) ) [1] ، ومن علم أنه لن ينفعه أحد انشغل بنفسه في حاله مع الله عن الانشغال بالناس وعاش غريبا بين الناس ففي الحديث: (( كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل ) ) [2] ، ويقول تعالى: (( لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ ) ) [3] ، (( يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ، وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ، وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ ) ) [4] ، وفي الحديث: (( واعلم أن شرف المؤمن قيامه بالليل وعزه استغناؤه عن الناس ) ) [5] .
ـ وتعلق المشاعر والأهداف بالأعمال الدنيوية من الغباء لان الدنيا إلى زوال، وأهم الأعمال الدنيوية التي تشغل الإنسان العمل لكسب الرزق ويسبقه التعليم والدراسة من أجل الوصول للعمل لكسب الرزق ـ وكل هذه أمور عظيمة أمرنا بها الله تعالى ـ ولكن من الغباء أن تتعلق المشاعر والأهداف بهذه الأعمال، فنحن لم نخلق من أجل كسب الرزق وتحصيل الدنيا: (( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالآنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ، مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ ) ) [6] ، فمن الناس مَنْ يعيش حياته من أجل جلب الرزق كأن ذلك عبادته التي خلق لها: (( وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ ) ) [7] ، ولاحظ أن الرزق مفهومه واسع فإن تحصيل الرزق يعني تحصيل أي أمر فيه راحة أو نفع للإنسان، وفي الحديث: (( إن الله تعالى يقول يا ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنى وأسد فقرك وإن لا تفعل ملأت يديك شغلا ولم أسد فقرك ) ) [8] ، وفي حديث آخر: (( يقول ربكم يا ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ قلبك غنى وأملأ يدك رزقا، يا ابن آدم لا تباعد مني أملأ قلبك فقرا وأملأ يدك شغلا ) ) [9] ، وفي حديث آخر: (( لا تستبطئوا الرزق فإنه لم يكن عبد ليموت حتى يبلغه آخر رزق هو له فاتقوا الله وأجملوا في الطلب أخذ الحلال وترك الحرام ) ) [10] ، وفي حديث آخر: (( إن الرزق ليطلب العبد أكثر مما يطلبه أجله ) ) [11] وفي حديث آخر: (( لو أن ابن آدم هرب من رزقه كما يهرب من الموت لأدركه رزقه كما يدركه الموت ) ) [12] ، وفي حديث آخر: (( إن روح القدس نفث في روعي أن نفسا لن تموت حتى تستكمل أجلها وتستوعب رزقها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب ولا يحملن أحدكم استبطاء الرزق أن يطلبه بمعصية الله فإن الله تعالى لا ينال ما عنده إلا بطاعته ) ) [13] ، وفي حديث آخر: (( إن روح القدس نفث في روعي أن نفسا لن تموت حتى تستكمل رزقها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب ) ) [14] .
ـ الله أمرنا بالحلال من الشهوات والأعمال الدنيوية والصلة بالناس ليختبرنا هل ستشغلنا عن الله والآخرة أم لا؟:
ـ الأعمال الدنيوية هي الأكل والنوم والتكاثر والمظاهر والتعليم وعمارة الأرض والترفيه وأمور التسلية وممارسة الهوايات مثل مشاهدة التلفاز ومتابعة مباريات الكرة والسمر مع الأصحاب والرحلات وغير ذلك، وكذلك التفكير في الأمور الدنيوية هو من أهم الأعمال الدنيوية، وهذه الأعمال يقوم بها الحيوان أيضا ولكن بصورة متناسبة مع طبيعة تكوينه، فالحيوان يأكل وينام ويتكاثر ويلهو ويلعب ويقوم بأعمال تهيئ له المسكن وتيسر له المعيشة: (( وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ ) ) [15] .
ـ الدنيا تشغل جميع الناس عن الله والآخرة إلا الذي يستطيع التغلب على هذه العقبة الصعبة فهذا هو الذي ينجح في الاختبار.
ـ ليست القضية في جمع المال، ولكن القضية في تعلق القلب بالمال، وليست القضية في الأعمال الدنيوية ولكن القضية في تعلق القلب بالأعمال الدنيوية والدنيا، فإذا كان تعلق القلب بالمال والدنيا أكبر من تعلقه بالله فهذا نفاق أكبر.
(1) قال الشيخ الألباني: صحيح (جامع الترمذي ج: 4، ص: 667، برقم: 2516)
(2) السلسلة الصحيحة (1157)
(3) الممتحنة: 3
(4) عبس: 34 ـ 36
(5) تحقيق الألباني: حسن (انظر حديث رقم: 73 في صحيح الجامع)
(6) الذريات: 56، 57
(7) سبأ: 37
(8) حديث صحيح (صحيح الجامع برقم 1914)
(9) حديث صحيح (صحيح الترغيب والترهيب ج: 3، برقم 3165)
(10) صحيح الجامع (7323)
(11) صحيح الجامع (1630)
(12) تحقيق الألباني (حسن) [صحيح الجامع برقم 5240)
(13) تحقيق الألباني: صحيح (انظر حديث رقم: 2085 في صحيح الجامع)
(14) التخريج: صحيح (تخريج مشكلة الفقر، ص: 27، رقم: 15)
(15) الأنعام: 38