فهرس الكتاب

الصفحة 151 من 168

سعادتك وفيه كل النفع لك فبه تحيا ومن غيره تموت، فيصنع للمال عظمة وهمية، فيشعر الإنسان بعظمة المال ويتعلق قلبه بالمال.

ـ الدنيا لا قيمة لها فهي زائلة عابرة صئيلة القيمة، والشيء الذي لا قيمة له ولا نفع فيه ولا ضرر فإن الإنسان يتجاهله ولا يهتم به ويتناساه ويتغافل عنه ولا تتعلق به مشاعره فلا يحبه ولا يكرهه ولا يخافه ولا يرجوه، فالإنسان يتعامل مع الدنيا كعابر سبيل لا يعيرها اهتماما كثيرا وأعماله الدنيوية تكون فقط لتحصيل الكاد منها، فإذا أكل إنما يأكل ليسد جوعته فلا يكون الطعام قضيته ولا يسعى لتحصيل المزيد من الطعام وكثرة الأكل فوق الشبع، وهكذا في سائر أمور الدنيا.

ـ إذن الإحساس بقدر ضآلة الدنيا لابد أن يؤدي إلى:

1 ـ التعامل مع الدنيا كعابر سبيل فلا يعطيها كثير اهتمام لأن الآخرة هي التي تستحوذ على الهم الأكبر لأنها الحياة وليست الدنيا.

2 ـ لا تتعلق مشاعره وهمومه وأهدافه بها إلا في الله.

3 ـ أعمال جوارحه لا تكون منصبة من أجل الحصول على الدنيا وإنما لتحصيل ما يؤدي الغرض.

ـ فإذا لم تحدث هذه الأمور الثلاثة فهذا معناه أن اليقين بضآلة الدنيا هو يقين نظري فقط، فالذي تهفو نفسه للدنيا وهو مقتنع تماما بضآلة الدنيا فهذا الاقتناع نظري فقط وحقيقة اليقين عنده هو يقين بعظمة الدنيا وعظمة النفع والضرر فيها، فهو يرى الدنيا على غير حقيقتها وهذا هو التزيين للدنيا.

ـ أولا: مرحلة ما قبل الوصول إلى شهوات الدنيا (مرحلة التزيين ـ مرحلة الإغراء ـ مرحلة الأماني) ـ شهوة الإغراء والأماني:

ـ يحدث هنا تزيين حيث يكون هناك تصور وهمي لمدى عظمة هذه الشهوات، وإذا كان قد حقق هذه الشهوات من قبل فإنه يتناسى ذلك، لأن الإنسان يشعر بحقيقة ضآلة الشهوات بعد تحقيقها ثم يتناسى ذلك.

ـ وهذه المرحلة فيها متعة وهمية معنوية وليست حسية هي متعة الإغراء ومتعة الإيحاء وهي المتعة التي تسبق الوقوع في شهوات الدنيا، وهي متعة تجعل الشيء يبدو كأنه كبير في متعته، وهي تحدث في فترة ما قبل الشهوة حيث يكون الإنسان تحت تأثير الشهوة وليس عقله ثم يفيق لحقيقة هذه الشهوة في فترة ما بعد الشهوة.

ـ شهوات الدنيا كشهوة النساء أو شهوة الطعام والشراب أو شهوة المظاهر ... الخ لها إغراء وتزيين يوحي بأنها متعة هائلة ويوحي بأن الإنسان يمكن أن يستزيد منها بصورة هائلة في حين حقيقة المتعة الفعلية المتحصلة منها قليلة ولا يمكن تكبيرها أو الإستزادة منها، لذلك فالقضية في الأصل ليست في الوقوع في ذات الشهوة ولكن في الإغراء والتزيين بحيث تبدوا في النفس أنها ذات قدر كبير وهائل وأن الإنسان إذا حصل عليها فقد حصل على المتعة الهائلة، هذا التزيين هو تكبير حجم قيمة المتعة الحقيقية أضعاف هائلة، ويقوم بهذا التزيين الشيطان والأغاني والأفلام التي تعظم من حجم الشهوات وغير ذلك، وحيلة التزيين هي التي عملها إبليس مع آدم: (( فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى ) ) [1] رغم أنها شجرة عادية مثل باقي الأشجار، كما تلاحظ أن طاقة الإنسان على متعة الطعام أو الجماع محدودة ولكن الشيطان يزين له أنه يستطيع أن يحصل على أضعاف مضاعفة من المتعة، ومهما استزاد الإنسان من حجم الإغراء بالمتعة فهذا لن يزيد من حقيقة المتعة شيء، لذلك قد يكون الإغراء بالشهوة والنظر إلى العورات أشد خطرا من الوقع في الزنا، لذلك فالشرع لا ينهى فقط عن الزنا ولكن ينهى أيضا عن مقدمات الزنا حتى ولو لم يقع الإنسان في الزنا: (( وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى ) ) [2] .

ـ فشهوات الدنيا ضئيلة ولكنها تبدو كبيرة في ظاهرها، وفي ذلك خداع كبير لمن ليست له بصيرة، كما أن الشيطان يزينها في عين الإنسان كما يفعل الساحر حيث يسحر أعين الناس فتبدو الأمور على غير حقيقتها، إذن التزيين هو تكبير وهمي لحجم الدنيا وقدر الإنسان، أي هو رؤية الأشياء بحجم أكبر من قدرها الحقيقي فيخدع الإنسان نفسه، فالإنسان إذا لم ينتبه إلى

(1) طه: 120

(2) الإسراء: من الآية 32

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت