على ما عند الإنسان من اقتناع نظري بوجود الله، لأن التفكر مع استحضار القلب يؤدي إلى الاقتناع الحقيقي بجود الله وبصفات الربوبية.
ـ الفرق بين الإحساس بالقيمة والتفكر مثل الفرق بين البكاء والتباكي، فالذي لا يستطيع البكاء يمكنه أن يتباكى لعل ذلك يؤدي إلى البكاء، فكما أن التباكي قد يؤدي إلى البكاء، فكذلك التدبر والتفكر والتذكر قد يؤدي إلى الإحساس بالقيمة، فالتفكر والتدبر والتذكر هو استشعار القيمة وليس الشعور بالقيمة، فالإحساس بالقيمة هي وظيفة تلقائية، أما التفكر والتدبر والتذكر التدبر هو افتعال هذه الوظيفة لإيجادها إذا لم تكن موجودة.
ـ فإذا نظر الإنسان إلى قيمة الشيء نظرة انتباه واستشعار لحقيقته تحقق عنده الإحساس بقيمة ما يراه، أما أعمى القلب فمهما نظر وتفكر فلن يشعر بشيء.
ـ ويقول ابن القيم: (( فها هنا خمسة أمور: الفكر وثمرته العلم وثمرتهما الحالة التي تحدث للقلب وثمرة ذلك الإرادة وثمرتها العمل، فالفكر إذا هو المبدأ والمفتاح للخيرات كلها وهذا يكشف لك عن فضل التفكر وشرفه وانه من أفضل أعمال القلب وانفعها له حتى قيل تفكر ساعة خير من عبادة سنة فالفكر هو الذي ينقل من موت الفطنة الى حياة اليقظة ) ) [1] .
ـ ولقد نشأ الأنبياء على التفكر لمعرفة الله، فلقد كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصعد إلى غار حراء ليتفكر وجاءه الوحي في نفس المكان الذي كان يتفكر فيه، ففي الحديث: (( ... وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه، وهو التعبد الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك ) ) [2] .
ـ وبالمثل نشأ سيدنا إبراهيم: (( وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ) ) [3] .
ـ فالإنسان يكفيه أن يشعر بالإعجاز في آية واحدة من آيات الله المنظورة وعندئذ تتغير مشاعره وهمومه وتفكيره وأمانيه مائة وثمانين درجة ولن يحتاج أكثر من آية واحدة سواء في السماء أو في الأرض أو في نفسه أو في أحوال الدنيا ومصائر السابقين أو أي شيء.
ـ فالإنسان الميت قد يفكر في أمور الدين والحياة وتفاصيل الأشياء دون التفكير في أصول الأشياء وحقائق الأمور كحقيقة الدنيا وحقيقة الموت، فإن فطرة الإنسان تدعوه لمعرفة لغز الموت والحياة ومعرفة أسرار الكون من حوله، وحقيقة نفسه وقضيته التي يعيش من أجلها وحقيقة مشاعره، فمثلا هو يعرف أنه سيموت لكنه لا يتدبر حقيقة ما يعني أنه سيموت، ويعرف ضآلة الدنيا، لكنه لا يتدبر حقيقة ما تعنيه هذه الدنيا وحقيقة ما بها من زخرف وشهوات، وتكون له طموحات ولا يتدبر حقيقة ومصير هذه الطموحات، ويعمل ولا يتدبر حقيقة ما يعمله، ويعرف أن هناك كون ونجوم ولكن لا يتدبر ما تعنيه وما حقيقتها، ويسمع ويعرف أن هناك آخرة وجنة ونار، ولكن لا يتدبر حقيقة ذلك، ولا يتدبر حقيقة ما يعني أن لهذا الكون ربا والاها، وإذا تدبر كل هذا فهو تدبر بغير حضور قلب وإحساس بقيمة ما يتدبره، لذلك فالقرآن يركز تماما على قضية إعمال السمع والبصر والتفكر والتدبر والاتعاظ والعبرة.
ـ فمن الناس مَنْ فكر في كل شيء في الدنيا والدين وأجاد في كل أمور الدنيا والدين، وتمتع بعقلية وذكاء خارق، ولديه خبرات هائلة وعلوم هائلة في الدين والدنيا، لكنه لم يتفكر في أمور بديهية جدا والتي تمثل أصل وجوده ودينه، لم يتفكر فيما وراء الأشياء، فكل شيء تنظر إليه تجد في داخله يقول لك أنظر إلى من خلقني، فالسماوات والأرض أمر ملفت للإحساس بالقيمة، وكون أننا نعيش على كرة معلقة بنا في الفضاء أمر غاية في العجب، ومدى عظمة الله أمر يحير، ورغم ذلك فكل هذا لا يؤثر ولا ينفع فيمن لا يشعر بخطورة هذه الأمور، فهناك من عاش حياته دون أن يسأل نفسه عن سر وجوده وسر وجود الكون من حوله فهذا هو الغافل الذي طبع على قلبه فهو لا يفقه.
ـ وهناك من أخذ يفسر سر وجوده ووجود الكون من حوله مع الإحساس بالقيمة لذلك فشعر بحقيقة الحياة المؤقتة على كوكب الأرض وشعر بقدر الله والآخرة فانشغل بذلك همه ومشاعره وحياته وعاش لذلك، فهذا هو البصير العاقل
ـ التفكر في أي شيء معين يكون في ناحيتين هما:
1 ـ أن هذا الشيء موجود فلابد له من خالق لأنه لا يستطيع إيجاد نفسه، وأن هذا الشيء يقوم بوظائف أكبر من قدراته إذن فهناك إرادة قاصدة مريدة هي التي تفعل ذلك، هي إرادة الخالق سبحانه، فالوظائف التي تقوم بها الأشياء معقدة للغاية وبدقة متناهية بحيث لا يستطيع أن يقوم بهذا أحد غير من له قدرة خارقة وعلم عظيم، وهذا يعني ضعف ذلك الشيء وأنه خاضع
(1) مفتاح دار السعادة (ج: 1، ص: 183)
(2) متفق عليه (مشكاة المصابيح برقم: 5841)
(3) الأنعام: 75 - 80