فهرس الكتاب

الصفحة 81 من 168

للخالق، وكذلك الإنسان لا يستطيع إيجاد نفسه وتتم في داخله وظائف أكبر من قدرات وعلم الإنسان فليس هو الذي يقوم بها، إذن لابد من وجود قوة خارجية هي التي تقوم بذلك، هي قوة الخالق وقدرته سبحانه، وهذا يؤدي إلى الشعور بالخضوع للخالق والشعور بالخوف من هيبته.

2ـ أن هذا الشيء فيه فوائد للإنسان وبالتالي فهو مصمم بطريقة تفيد الإنسان، فهناك من سخره للإنسان بقصد الإنعام على الإنسان، فكل شيء مسخر وفيه فوائد للإنسان وبالتالي هو نعم للإنسان، والإنسان في حاجه شديدة إلي هذه النعم وبدونها لا تقوم حياته، وهذا يؤدي إلى الشعور بحب الخالق سبحانه والتوكل عليه.

ـ والأمثلة التالية تبين صور من خرق الأسباب فيحدث للإنسان إحساس بقيمة وخطورة هذا الإعجاز وشعور بالتحير والتعجب من مدى قدرة الخالق على خرق هذه الأسباب وينشأ عن ذلك شعور بالخضوع للخالق وشعور بخوف المهابة من قدرته وشعور بحبه، فإذا لم يحدث للإنسان إحساس بالقيمة وشعور بخوف المهابة والخضوع والحب فهذا يدل على أن الإيمان بوجود الخالق هو إيمان نظري فقط وليس إيمانا حقيقيا، ويصبح أمر وجود الخالق لا معنى له ولا قيمة له في شعور الإنسان رغم وجود اليقين النظري التام بالخالق، ويتضح ذلك من خلال الأمثلة التالية:

مثال (1) :

ـ كل شيء حول الإنسان عبارة عن آية تدل على الخالق، سواء من الجمادات أو الكائنات الحية، بداية من أتفه وأحقر المخلوقات وحتى أعقدها في التركيب والوظيفة، فمثلا التراب الذي تسير عليه هو معجزة لأنه عبارة عن ذرات بداخلها إلكترونات تتحرك بسرعات رهيبة وبدقة متناهية فمن من البشر يستطيع أن يصنع بها ذلك، فلابد أن هناك قوة خارقة خارجية هي التي تصنع ذلك، وكذلك البعوضة والصرصار والحشرة الحقيرة التي تدوس عليها بالحذاء لتقتلها وتتخلص منها وأنت مشمئز منها، إنها معقدة في تركيبها ووظيفتها وفيها روح لا يعرف الإنسان ما الذي يجعلها تسير وتتحرك ومن الذي وضع فيها هذه الروح، فهذا يدل على أن هناك خالق له قدرة هائلة وعلم وحكمة كبيرة، فمن كان عنده إحساس (فمن كان حيا) فإنه يشعر أنه مقهور تحت هذا الإعجاز الذي خرق هذه الأسباب وأوجد هذه المخلوقات فهذا هو المؤمن، وأما من كان معدوم الإحساس (كان ميتا) فإنه يعلم ذلك علما نظريا فقط أو يتجاهل القضية فهذا هو المنافق أو الكافر: (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شيئا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ(73) مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ )) [1] ، (( إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ) ) [2] .

مثال (2) :

ـ أشجار الفاكهة لمن تخرج هذه الفاكهة؟، إنه أمر مقصود ليتناوله الإنسان، وهل تدري هذه الأشجار بالإنسان، ولماذا تقصد وتعد له هذه الفاكهة المناسبة لتكون طعاما له؟، وكيف تستطيع أصلا أن تصنع هذه الفاكهة وهي من مادة مختلفة تماما عن مادة البذرة ومادة الأرض التي نبتت منها؟، إن هذه الأشجار لا يمكن أن يكون لها هذا العقل الهائل وهذه القدرة الهائلة، إذن لابد من وجود قوة خارجية قاصدة مريدة هي التي أرادت لهذه الشجرة أن تُكَوِّن هذه الفاكهة وتصنعها للإنسان، فإن الله أراد ذلك فقال تعالى: (( وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ(34) لِيَاكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ )) [3] ، وكذلك العشب مقصود إنباته للحيوان، والحيوان مقصود لخدمة الإنسان من ركوب أو طعام، فإن ذلك يعني حب الخالق الذي قصد لك هذا الغذاء ويعني الخضوع وخوف المهابة لقدرته الفائقة في صنع ذلك.

مثال (3) :

ـ وأيضا البقرة لمن تخرج هذه الكمية من اللبن الزائدة عن حاجة أولادها، هل البقرة تعي الإنسان وتريد له ذلك؟ طبعا لا، وهل أصلا تستطيع البقرة وتفهم هذه المصانع المعقدة في جسمها والتي تقوم بتصنيع ذلك اللبن؟ طبعا لا، إذن لابد من وجود قوة خارجية قاصدة مريدة هي التي أرادت ذلك فقال تعالى (( نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ ) ) [4] فقال (نسقيكم) أي هو سبحانه الذي قصد ذلك للإنسان وصنع ذلك له، فذلك يعني حب من صنع لك هذا الغذاء وقصَده لك والخضوع والمهابة من عظيم قدرته على فعل ذلك ومدى هذا العلم، إذن لابد من وجود قوة خارجية قاصدة مريدة هي التي أرادت ذلك، وهي التي سخرت هذه البقرة من أجل الإنسان، وهي التي تمد الإنسان بما يحتاجه.

مثال (4) :

ـ وكذلك أنظر إلى نعمة الجمال في صنعة الله في الفاكهة والزروع وألوانها ومذاق كل واحدة وسائر المخلوقات، إنه لا يمكن لسمكة زينة أن يكون في داخلها أنظمة هي التي تختار هذه الألوان بطلاقة وعناية ودقة فائقة ثم كيف يتشابه نفس هذه الأنظمة في جميع الأسماك من نفس النوع؟، إنها ليست مسألة داخل الجسم ولكنها إرادة خارجية من قوة خارقة هي التي صممت هذا

(1) الحج: 73، 74

(2) قّ: 37

(3) يس: 34، 35

(4) النحل: من الآية 66

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت