ـ فالإنسان الذي فقد الإحساس بالقيمة هو غافل عن كل شيء فهو يعيش كأنه ليس له ربا وكأنه لن يموت وكأنه لا آخرة، ويتجاهل أن هناك رقيب وعتيد وأن الله يراه رغم علمه بذلك، وكذلك يتجاهل آيات السماء والأرض والنظر فيها فيتناسى هذه الأمور كأن لم تكن، وكأن أحدا لم يذكرها له، وكأنه لم يسمع عن شيء اسمه الآخرة أو الموت، رغم اقتناعه النظري التام بالآخرة وبأنه سيموت، ويتعامل مع آيات الله كأنه لا يسمع ولا يرى ولا يتكلم.
ـ الغافل لا يعلم شيئا، فهو لا عقل له ولا علم له، فلا يعلم حقيقة الدنيا ولا حقيقة الآخرة، وما يعلمه عن الآخرة هو علم نظري فقط ويقين نظري بالآخرة فقط، وما يعلمه عن الدنيا مقصور في حدود الظاهر فقط فهو علم سطحي فقط (علم نظري فقط) فلا ينظر إلى ما وراء الأشياء من وجود الخالق ومن حقيقة ضآلة الدنيا وفناءها، ونوضح ذلك كالتالي:
ـ الغافل لا عقل له ولا علم له، فهو لا يعلم شيئا ولا يعقل: (( وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ) ) [1] ، (( صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ ) ) [2] ، ونفي العلم عنه هو عدم وجود العلم الحقيقي، أي عدم وجود العلم الحقيقي بخطورة الآخرة وبحقائق الأشياء في الدنيا وما وراءها من وجود الخالق وصفاته.
ـ الغافل عنده علم نظري بالآخرة ويقين نظري بالآخرة، فالدليل على علمه بصدق دعوة الرسل وبالتالي علمه بالآخرة ويقينه بها هو قوله تعالى: (( فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ) ) [3] ، (( وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ) ) [4] ، ولكن هذا العلم وهذا اليقين بالآخرة هو علم نظري فقط ويقين نظري فقط لأنه غافل عن الآخرة بدليل الآيات: (( وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأمر وهم في غفلة وهم لا يُؤْمِنُونَ ) ) [5] ، (( اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وهم في غفلة معرضون ) ) [6] ، (( وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قد كنا في غفلة من هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ ) ) [7] ، وبالتالي فليس عنده علم حقيقي بالآخرة.
ـ الغافل عنده علم سطحي وظاهري بأمور الدنيا، فلا ينظر إلى حقائق وجود الأشياء وما وراءها وحقيقة قيمتها، ولكن فقط علمه مقصور ومحدود في إطار السطحيات والظاهر، أي ليس لديهم إحساس بقيمة أمور الدنيا، ففي تفسير البغوي: (( {يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} يعني: أمر معاشهم، كيف يكتسبون ويتجرون، ومتى يغرسون ويزرعون ويحصدون، وكيف يبنون ويعيشون، قال الحسن: إن أحدهم لينقر الدرهم بطرف ظفره فيذكر وزنه ولا يخطئ وهو لا يحسن يصلي، {وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ} ساهون عنها جاهلون بها، لا يتفكرون فيها ولا يعملون لها ) ) [8] ، وفي تفسير الشيخ المراغى: (((ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ) أي إن منتهى علمهم أن يتفهموا شئون الحياة الدنيا، ويتمتعوا باللذات، ويتصرفوا في التجارات، ليحصلوا على ما يكون لهم فيها من بسطة في المال، وسعة في الرزق، ويكونوا ممن يشار إليهم بالبنان، وما به يذكرون لدى الناس، ولا يعنون بما وراء ذلك، فشئون الآخرة دبر أذنهم، ووراء ظهورهم، لا يعرفون منها قبيلا من دبير )) [9] .
ـ الناس ثلاثة أصناف:
1 ـ الصنف الأول: هم مجانين لا يعقلون، وظائفهم معطلة لوجود أمراض عضوية وهؤلاء غير مكلفين.
2 ـ الصنف الثاني: وهم عاقلين، وعندهم إحساس بقيمة ما يعقلونه، وهؤلاء يؤمنون بالضرورة.
3 ـ الصنف الثالث: وهم عاقلين، وليس عندهم إحساس بقيمة ما يعقلونه، فهؤلاء في الحقيقة غير عاقلين، فهم يعطلون عقولهم ووظائفهم كأنهم لا يعقلون وكأنهم لا يسمعون وكأنهم لا يبصرون وكأنهم موتى، فهم يمنعون أنفسهم من الاستجابة للرسل بتعطيل وظائفهم، وهؤلاء هم المنافقين والكفار.
ـ مثال (1) :
ـ يمكن توضيح معنى تعطيل الوظائف المتعلقة بالمعرفة على أن هناك داعي جاء إلى رجل فقال له: أنت تعيش في ملك الله وتأكل من رزقه وتسكن في أرضه وأنت نفسك جزءا من ملكه فيجب عليك أن تعيش معيشة العبيد فلست حرا تفعل ما تريده
(1) الملك: 10
(2) البقرة: من الآية 171
(3) الأنعام: من الآية 33
(4) النمل: من الآية 14
(5) مريم: 39
(6) الأنبياء: 1
(7) الأنبياء: 97
(8) تفسير البغوي (ج: 6، ص: 262)
(9) تفسير الشيخ المراغى ـ موافقا للمطبوع (ج: 27، ص: 56)