فهرس الكتاب

الصفحة 24 من 168

لنفسك ولكنك عبد تعيش من أجل سيدك، فاقتنع الرجل، ثم قال له الداعي: أنت الآن في مكان غير المكان المعد لمعيشتك، فأبيك آدم نزل إلى الأرض ليعيش هو وأبناؤه معيشة مؤقتة عابرة للاختبار أما معيشتك المعدة لك هي في الآخرة، فيجب أن تعيش على أساس أن حياتك في الآخرة وليست هنا فتعيش معيشة المسافر الذي يستعد للرحيل، فإن فعلت ذلك فلك الجنة وان لم تفعل فلك النار، فاقتنع الرجل، لكن الرجل استمر على ما كان عليه، فجاءه الداعي متعجبا: لماذا اخترت أن تضر نفسك وهل يمكن لعاقل أن يختار الضرر لنفسه؟، فلم يرد الرجل، فسأله الداعي: هل أنت عاقل أم مجنون؟، لكن الرجل لم يرد، فقال له الداعي: هل تسمعني؟ لماذا لا ترد على؟، لكن الرجل لا يتكلم، فقال له الداعي: هل أنت سكران؟، هل أصابك مرض؟ هل أنت أبكم لا تتكلم؟، لكن الرجل لا يتكلم، وكان الرجل يتجاهله ويلتفت بعيدا عنه وينظر في اتجاه آخر، فسأله الداعي: هل أنت تراني وتسمعني؟، لكن الرجل لا يتكلم؟، وسار الرجل معرضا عنه مثلما يقوم النائم من نومه ويسير وهو لا يزال نائما ثم يعود لسريره (كما يحدث عند بعض الناس) فأخذ الداعي يهزه بيده ليفيق من نومه لكنه لا يحس ولا يفيق كأنه فاقد الإحساس، فتعجب الداعي وقال له: هل أنت حي أم ميت؟!.

ـ إن هذا الرجل سمع الداعي فعلم الحق من الباطل، لكنه يتغافل عنه ويتجاهله ويتناساه كأنه لم يسمع وكأنه لم يرى ولم يفهم ولم يعقل وكأنه مجنون وأصم وأبكم وأعمى، وكأنه فاقد الوعي، وكأنه ميت.

ـ لقد كان اقتناع هذا الرجل بكلام الداعي هو اقتناعا نظريا فقط، ونظرا لأنه لا يستطيع أن يقنع نفسه بغير ذلك لأنه لا يملك دليلا على عكس ذلك، لذلك لجأ إلى حيلة الهروب من الأمر كأنه لم يسمع الداعي أصلا، وهو باقتناعه النظري قد أقام على نفسه الحجة، وباختياره طريق الباطل هو بذلك قد رفض كلام الداعي وإن قال بلسانه أنه يتبع الداعي.

ـ مثال (2) :

ـ ويمكن توضيح معنى تعطيل الوظائف المتعلقة بالمعرفة بمثال آخر على أن هناك داعي جاء إلى مجموعة من الناس يعيشون في مدينة من المدن، وأخبرهم بأن هذه المدينة التي يعيشون فيها بكاملها هي ملك لأحد الناس، وأنهم ليسوا إلا خدام لمالك هذه المدينة، وأن مالك هذه المدينة أمر بنقلهم جميعا إلى مدينة أخرى في وقت قريب، وهؤلاء الناس اقتنعوا بما يقوله الداعي لما جاء لهم بالأدلة على ما يقول، لكنهم قد ألفوا المعيشة في هذه المدينة وعاشوا فيها زمانا يحسبون أن المساكن التي يسكنون فيها هي بيوتهم، ويحسبون أن ما وجدوه في هذه المدينة من خيرات هو ملكا لهم، ويحسبون أنهم أحرارا يفعلون ما يشاءون، لذلك فهم لم يقبلوا كلام الداعي، ولا يقبلوا أن يعملوا أجراء وخدام لمالك هذه المدينة، لكنهم لا يستطيعوا أن يقولوا ذلك للداعي لأنهم لا يملكون دليلا على ما يقولونه وهم مقتنعون تماما بما يقوله الداعي، فلجأوا إلى حيلة وهي أنه كلما جاء إليهم الداعي وكلمهم وضعوا أصابعهم في آذانهم ووضعوا ثيابهم على وجوههم وأخذوا يتكلمون مع بعضهم البعض كأنهم لم يسمعوا الداعي ولا يرونه، فيتغافلوا ويتجاهلوا كلام الداعي: (( وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا ) ) [1] ، (( وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ ) ) [2] ، (( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ ) ) [3] .

ـ مثال (3) :

ـ ويمكن توضيح الأمر بأن تتصور أن أحد الناس كان يجلس على مكتبه داخل أحد المباني الكبيرة يؤدي عمله في هدوء، ثم فجأة دق جرس الإنذار، لكنه لم ينزعج وبقي هادئا في مكانه جالسا على مكتبه، رغم أنه كان يعلم أن جرس الإنذار يعني أن هناك حريق بالمبنى ويوقن بذلك تماما، وأسرع الناس في المبنى يلوذون بالفرار وهم ينادون على هذا الرجل الجالس على مكتبه: احذر النار احذر النار!، ألا تعلم أن هناك حريق كبير بالمبنى؟، فيقول لهم في برود أعلم ذلك، وبقي في هدوءه منشغلا بأعماله، وظل الناس ينادون عليه حتى نبح صوتهم من كثرة النداء، لكن لا حياة لمن تنادي، فكأنما ينادون رجلا لا عقل له أو ينادون أصما لا يسمع أو ينادون جماد من الجمادات أو ينادون رجلا ميتا ليس لديه أي إحساس أو عقل أو وعي، إنه فعلا ميت وليس بحي، وكما يقول الشاعر: لقد أسمعت إذ ناديت حيا، ولكن لا حياة لمَنْ تنادي، فمهما أنذرته فلن يستجيب إلا إذا كان حيا: (( لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ ) ) [4] (( إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ ) ) [5] ، (( إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ) ) [6] .

(1) نوح: 7

(2) التوبة: 127

(3) فصلت: 26

(4) يس: 70

(5) النمل: 80

(6) الأنعام: 36

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت