فهرس الكتاب

الصفحة 55 من 168

ـ نسيان نعم الله معناه أن الإنسان يتحرك كما لو كان مالكا، فإذا سلب الله منه نعمة حزن وتضايق، فأنت لك حق أن تحزن فقط إذا ظلمك أحد بأن أخذ منك شيئا مما تمتلكه أنت فأخذ منك شيئا هو حقك، أما إذا أخذ الله منك شيئا كان قد أقرضك إياه لفترة ثم يسترد ما يملك فهذا حقه، بل إننا إذا عرَّفنا الإنسان على أنه قطعة من الطين وأن كل ما يزيد عن ذلك من روح وسمع وبصر وأموال هو نعم من الله علي الإنسان وملك لله تعالى لم نكن محقين لأن قطعة الطين هذه هي ذاتها ملك لله تعالى، لذلك لو عذب الله جميع خلقه لعذبهم وهو غير ظالم لهم لأنهم شيئا من ملكه ومالك الشيء يفعل بما يملك ما يشاء.

ـ فإذا عرف الإنسان ذلك معرفة حقيقية حدث له توكل تام على الله في كل شيء، وحدث له شعور بالخضوع لأنه ضعيف والضعيف يخضع للقوى، وحدث له شعور بحب الله لما أعطاه من عظيم النعم، وحدث له خوف من مهابة مدى عظمة الله وقدرته عليه، وحدث له رجاء وطمع فيما عند الله ليعطيه.

ـ إحساس الإنسان بأنه مخلوق معناه شعوره بأنه واقع تحت سيطرة وهيمنة أحد له القوة والقدرة الكاملة عليه، وأنه أسير وليس حرا فهو خاضع تحت أمر وتصرف سيده، والشعور بضعفه ونقصه واحتياجه للخالق ليحيا ويقضي حاجاته، فإذا لم يشعر الإنسان بذلك فهو غافل عن معنى أنه مخلوق وإن كان موقنا بذلك تماما لأن ذلك اليقين عندئذ هو يقين نظري فقط.

ـ أما من عرف ذلك معرفة نظرية فقط عاش في غرور بما عنده ظنا منه أنه يملك ما عنده، وحزن إذا سلبت منه نعمة ولم تتأثر مشاعره بالتوكل والخضوع والحب والخوف من الله تعالى.

ـ الفرق بين اليقين النظري بمجيء الله وبنزوله واليقين الحقيقي بمجيء الله وبنزوله:

ـ يوم القيامة يقف الخلق جميعًا في أرض المحشر ينظرون إلى السماء، ينتظرون مجيء الله سبحانه: (( وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا ) ) [1] ، (( هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَاتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ ) ) [2] ، يقول الشيخ محمد حسان: (( ينزل أهل السماء الأولى من الملائكة بضعف من في الأرض من الجن والإنس، فتحيط الملائكة بالخلائق في أرض المحشر، فإذا ما نظرت الخلائق إلى الملائكة قالوا: أفيكم ربنا؟! فتقول الملائكة: كلا، وهو آت، أي: إتيانًا يليق بكماله وجلاله ... ثم يتنزل حملة عرش الملك جل وعلا وهم يحملون العرش ويسبحون الله سبحانه .... ويضع الحق جل جلاله عرشه حيث شاء من أرضه ) ) [3] .

ـ وفي الحديث: (( ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له ) ) [4] .

ـ اليقين النظري بمجيء الله وبنزوله معناه أن الإنسان يثبت حدوث هذا الأمر نظريا لأن الشرع يقول بذلك، لكن ذلك لا يكفي، فلابد من الإحساس بقيمة هذا المجيء وهذا النزول لأنه أمر خطير جدا، فهذا المجيء وهذا النزول لخالق الكون نفسه العظيم، فإذا لم يبعث ذلك في النفس الهيبة وخوف المهابة فهذا معناه أن مشاعر الإنسان تقول بأن هذا المجيء وهذا النزول لا يحدث أو لا قيمة له، فعدم وجود هذا الإحساس بالمهابة يدل على أن اليقين بمجيء الله ونزوله هو يقين نظري فقط.

ـ وهذا المجيء والنزول لا نتخيله ولا نتصوره في الذهن ولا نسأل عن كيفيته ولا نمثله ولا نشبهه ولا نعطله، وكل ذلك لا علاقة له بالشعور بالمهابة من ذلك الأمر، فلا يكفي فقط أن نثبت المجيء والنزول نظريا بغير الشعور بخوف المهابة.

ـ اليقين الحقيقي بأن الله في السماء فوق الكون يعطي للإنسان إحساس بأن وجود الله حقيقة واقعة وفعلية وقائمة، فإذا نظر الإنسان في السماء فأنه يتجه بنظره إلى الخالق العظيم فوق هذه السماء فيشعر بخوف المهابة، فالطبيعي أن الإنسان إذا نظر إلى أعلى فإنه يرى الشمس ويرى القمر ويرى النجوم وأيضا يرى الله ولكن يوجد حجاب يمنع من رؤية الله ولا يوجد حجاب يمنع من رؤية الشمس والقمر في السماء لذلك نرى الشمس والقمر ولا نرى الله سبحانه، ففي الحديث (( حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه ) ) [5] ، فإذا نظر الإنسان إلى أعلى يعلم أن وراء هذا الحجاب الله، فهو في السماء فوق الكون والمخلوقات، ووجود هذا الحجاب أو عدم وجوده لا يؤثر في حقيقة وجوده سبحانه، فإذا نظر الإنسان إلى أعلى فكأنه يرى الله فيعيش الإنسان حياته في ذهابه وإيابه وفي كل وقت كأنه يرى الله بذاته كما لا يشك في رؤية القمر والشمس في ذهابه وإيابه كلما رفع بصره في السماء، وبالتالي كلما عمل عملا لله يتجه ذهنه إلى أعلى إلى من هو في السماء وإذا لم يتجه ذهنه لأعلى فلمن يعمل هذا العمل إذن؟، فالمشركون كانوا يركعون لأصنامهم وأصنامهم أمامهم، فأنت عندما تركع يكون أمامك الله يتجه ذهنك إليه لأعلى، وعندما تقرأ القرآن تشعر بمَنْ يخاطبك ويخاطب الناس وإلا فمَنْ الذي يكلمك فلابد أن تشعر بالمتكلم (الله سبحانه) وتشعر بالمخاطب وهو أنت أو الناس، وإلا فأنت لا تشعر بمَنْ هو قائل هذا الكلام ولمَنْ يقوله، وعندما تعمل أي عمل فلابد أن تشعر بمَنْ تعمل له هذا العمل وإلا فأنت تعمل هذا العمل لنفسك أو لغير أحد، فإنك عندما تعمل عند أحد كأن تصلح له شيئا في بيته وهو يقف أمامك يراقبك طول الوقت فأنت لا يهمك إصلاح الشيء لذاته ولكن لهذا الرجل، فأنت اخترت أن تعمل عبدا لله وغيرك لم يختر هذا، فلابد أن تشعر بمَنْ تقدم له العمل ليراه حينما تقوم به له.

ـ وهذا الأمر يختلف عن مرتبة الإحسان وهو أن يعبد الله كأنه يراه، لأنها تعنى زيادة الإحساس بالقيمة.

ـ فالعلم الحقيقي بأن لله يدين ووجه وعينين وأن له سمع وبصر وقوة يعطي للإنسان شعور بأن وجوده سبحانه حقيقة واقعة، فيشعر بخوف المهابة، ففي كتاب شرح عدة متون في العقيدة: (( قال أهل السنة وأصحاب الحديث إن الله ليس بجسم ولا يشبه الأشياء، وأنه استوى على العرش كما قال: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ? [طه:5] ، ولا نتقدم بين يدي الله في القول؛ بل نقول استوى بلا كيف، وأن له وجها كما قال: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ [الرحمن:127] ، وأن له يدين كما قال: خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص:75] ، وأن له عينين كما قال: تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا [القمر:14] ، وأنه يجيء يوم القيامة هو وملائكته كما قال: وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [الفجر:22] وأنه ينزل إلى سماء الدنيا كما جاء في الحديث ) ) [6] .

ـ الفرق بين الدعاء النظري والدعاء الحقيقي:

ـ إنك عندما تدعوا الله يجب أن تشعر بمَنْ تخاطبه وإلا فمع مَنْ تتكلم؟!، فأنت تكلم نفسك، ففي الحديث: (( ... وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَجِيبُ دُعَاءً مَنْ قَلْبٍ غَافِلٍ لاَهٍ ) ) [7] .

ـ الدعاء يساعدك على أن تستشعر وجود الله، كما أن الإنسان إذا دعا الله وطلب منه طلبا ما، وتحقق هذا الطلب فهذا يدل بصورة مباشرة على وجود الخالق وإجابته للدعاء، ومن هنا تعرف أهمية الدعاء فهو مخ العبادة أو هو العبادة ففي الحديث: (( الدعاء هو العبادة ثم قرأ {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين} ) ) [8] .

ـ فالذي يدعو الله وهو يشعر بمن يدعوه فهذا تحقيق عملي للشعور بوجود الله وعظمته، ولذلك يثيب الله على ذلك ثوابا عظيما، ففي الحديث: (( إن عبدا أصاب ذنبا فقال يا رب إني أذنبت ذنبا فاغفره فقال له ربه علم عبدي أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به فغفر له، ثم مكث ما شاء الله ثم أصاب ذنبا آخر ـ وربما قال ثم أذنب ذنبا آخر ـ فقال يا رب إني أذنبت ذنبا آخر فاغفره لي، قال ربه علم عبدي أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به فغفر له، ثم مكث ما شاء الله ثم أصاب ذنبا آخر ـ وربما قال ثم أذنب ذنبا آخر ـ فقال يا رب إني أذنبت ذنبا فاغفره لي فقال ربه علم عبدي أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به فقال ربه غفرت لعبدي فليعمل ما شاء ) ) [9] .

ـ الفرق بين اليقين النظري واليقين الحقيقي بلقاء الله:

ـ إنك علي موعد مع الله نفسه تكلمه ليس بينك وبينه واسطة ولا مترجم ولا حجاب يحجبك عنه، ففي الحديث: (( مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ، لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ وَلاَ حِجَابٌ يَحْجُبُهُ ) ) [10] ، فيحاسبك ويكلمك ويسألك وتجيب عليه وتكلمه، فالذي يشعر بهذا اللقاء يشعر بخوف المهابة والخضوع لله بدليل الآية: (( وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ، الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إليه رَاجِعُونَ ) ) [11] فمعني (يظنون) أي يوقنون، واليقين هنا ليس مجرد الاقتناع النظري فقط وإنما هو شعور بلقاء الله، فمجرد الاقتناع النظري بلقاء الله لا يعطي الإنسان الشعور بالخشوع في الصلاة ولكن فقط الذي يشعر بلقاء الله يشعر بالهيبة والرهبة والخشوع والخضوع لله تعالى، فإنه لقاء مهيب ورهيب لو تصورته وشعرت به، فالآية تربط بين الخشوع في الصلاة والإحساس بقدر لقاء الله فكلاهما وقوف بين يدي الله، فيقول ابن القيم: (( للعبد بين يدي الله موقفان: موقف بين يديه في الصلاة , وموقف بين يديه يوم لقائه، فمن قام بحق الموقف الأول هوّن عليه الموقف الآخر , ومن استهان بهذا الموقف ولم يوفّه حقّه , شدّد عليه ذلك الموقف، قال تعالى: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا(26) إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا} (الإنسان: 26، 27 ) )) [12] ، كما أن الذي يشعر بلقاء الله فذلك يجعله يتحمل ويصبر: (( قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ) ) [13] و (يظنون) أي يوقنون واليقين هنا أيضا ليس بمعني يقتنعون نظريا فقط فكل مَنْ خرج مع طالوت هم

(1) الفجر: 22

(2) البقرة: 210

(3) خطب ومحاضرات للشيخ محمد حسان (22/ 4)

(4) قال الشيخ الألباني: صحيح (سنن أبي داود، ج: 2، ص: 34، برقم: 1315)

(5) تحقيق الألباني: صحيح (انظر حديث رقم: 1860 في صحيح الجامع)

(6) شرح عدة متون في العقيدة (18/ 72)

(7) قال الشيخ الألباني: حسن (جامع الترمذي ج: 5، ص: 517، برقم 3479)

(8) قال الشيخ الألباني: صحيح (جامع الترمذي ج: 5، ص: 374، برقم: 3247)

(9) حديث صحيح رواه البخاري ومسلم (صحيح الترغيب والترهيب ج: 3، برقم 3140)

(10) البخاري (7533)

(11) البقرة: 45، 46

(12) الفوائد لابن القيم (1/ 221)

(13) البقرة: من الآية 249

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت