ـ الشعور بأننا واقعون تحت سيطرة قوة قاهرة أكبر من قوى العالم، وهذا يعني أننا لسنا أحرارا ولكننا مملوكين عبيدا تابعين وهذا يعني بالضرورة الشعور بخوف المهابة من مدى قدرة الله، وبالتالي الشعور بالاستسلام والخضوع خوفا من مهابة الله تعالى.
ـ والشعور بأننا ضعفاء لا نملك شيئا ولا حتى أنفسنا، ولا نستطيع أن نجلب أي نفع لأنفسنا، وأن ما عندنا من صفات كالقوة والإرادة والسمع والبصر ... إلخ هي أمور مخلوقة فينا ولنا وهذا يعني بالضرورة حب الخالق سبحانه والخضوع له والتوكل عليه ورجاؤه.
ـ والشعور بأن الله له القدرة على أن يحميك من أي خطر، ويأتيك بكل نفع فتحبه، كما أن له القدرة على أن يسلب منك أي نعمة أو يفعل بك أي شيء فتخافه [وله الحق في أن يفعل بك أي شيء لأن مالك الشيء يفعل به ما يشاء فلا تكرهه ولكن تحبه وإن قطعك إربا إربا لأن في ذلك خير لك أنت لا تعلمه: (بِيَدِكَ الْخَيْرُ) [1] ، وفي الحديث: (يَوَدُّ أَهْلُ الْعَافِيَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِينَ يُعْطَى أَهْلُ الْبَلاَءِ الثَّوَابَ لَوْ أَنَّ جُلُودَهُمْ كَانَتْ قُرِضَتْ في الدُّنْيَا بِالْمَقَارِيضِ) [2] ـ أنظر الشعور بأن الله هو المالك].
ـ الشعور بالطمأنينة والشعور بالعزة بالله: فأنظر إلى أعظم قوة في العالم فالخالق هو الأعلى فلا تخاف، أنظر إلى مَنْ يكيد لك وكيده أعلي منك فالخالق هو الأعلى الذي يمكر بالماكرين فلا يستطيعوا أن يمكروا بك، أنظر إلى أي ملك من الملوك فالله هو الأعلى، ومن هنا العزة بالله (( فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِأياتِنَا يَجْحَدُونَ ) ) [3] ، (( أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ ) ) [4] ، وكل صفة قوة أو صفة حميدة في البشر فالله هو الذي خلقها وهو أولي بها وأعلي.
ـ أنت إذا عرفت الله فلابد أن تحبه وتخضع له وتخافه، لأن ذلك يعني أن هناك أحدا غير الإنسان لا تراه ذو قدر وقدرات هائلة فوق الإنسان وأنت وما تملك عبارة عن جزء من ممتلكاته وكل أمرك بيده ألا يدعوا ذلك إلى أن ترهبه وتخافه وتشعر بالذل والحاجة إليه وحبه!، فعندما يتصور الإنسان ويشعر بإنعام الله عليه وبصفاته فإنه يشعر بحب الله لأنه ينعم عليه، ويشعر بالخضوع لله لاحتياجه لنعمه، ويشعر بالتوكل علي الله لأنه وحده الذي يعطيه النعم، ويشعر بالخوف من الله من أن يسلب منه النعمة، ويشعر بالرجاء في الله أن يعطيه النعمة، ويشعر بالذل إلى العزيز، ويشعر بالضعف إلى القوي ويشعر بالأنس إلى المعين والوكيل، ويشعر بالرهبة والخوف من الجبار المتكبر، ويشعر بالفقر والاحتياج إلى الغني، ويشعر بحب الكريم لأنه يعطيه، ويشعر بالوجل والرهبة من مدي عظمة الله سبحانه، ويشعر بالأنس إلى المعين والوكيل لأنه يعينه ويتودد إليه (فهو الودود) ويقضي حاجاته، ويشعر بالاحتياج إلى الصمد (الصمد أي الذي يحتاج إليه الناس) ، ويشعر بالرغبة إلى لقاء الله من حبه له، ويشعر بالعزة بالقوي، ويشعر بالضعف والخضوع للقوي لأن الله يقدر عليه وطمعا في أن يعطيه، ويشعر بالرضا إذا سلب الله منه نعمة لأنها ملك لله تعالي وإنما أعطاه إياها كعارية يستردها، ويشعر بالرضا بما عنده والقناعة لأن الله هو الكافي الذي يعطيه ما يكفيه، فإذا لم تتأثر مشاعر الإنسان وهمومه وأهدافه فإن هذا الإنسان كأنه لم يسمع عن شيء اسمه رب أو إله، وهذا هو مفهوم الطبع أي يطبع الله على أفهامهم فلا يفهمون حقيقة ما يعنيه الأمر ويطبع على آذانهم وعقولهم وقلوبهم فلا يتصورون ويتدبرون خطورة الأمر حتى ولو كان يعرف ويفهم كل هذا فهذه هي معرفة نظرية وفهم نظري لأن المشاعر لم تتحرك.
ـ الإحساس بمعنى كلمة (مخلوق) :
ـ الإنسان بدون الروح هو قطعة من اللحم والعظم، هذه الروح هي التي تجعل هذه القطعة من اللحم والعظم بشر يتحرك، تم تركيب هذه الروح بهذه القطعة بطريقة معينة، فأنت عبارة عن تركيبة معينة مصنوعة، والإرادة أيضا مصنوعة وفق مراد الصانع، فكل شيء يتم وفق الصانع وليس وفق المادة المصنوعة، فالفارق بين الخالق والمخلوق مثل الفارق بين الصانع والمادة المصنوعة، فعليك أن تستلم للخالق وتتوكل عليه يفعل بك ما يشاء.
ـ الإنسان لا يملك شيئا ولا يسمع ولا يبصر وليست فيه روح يتحرك بها، فلا يزيد الإنسان عن أنه مجرد قطعة من الطين لا تتحرك، أما ما عند الإنسان من روح يتحرك بها وسمع وبصر وممتلكات من أموال ومسكن وأولاد ومناصب وملابس كل ذلك هو نعم من الله على الإنسان وهي أمانة أو هدية وليست ملكا للإنسان، فالإنسان يتحرك ويسمع ويبصر بأمر الخالق فإذا تخلى الله عنه لحظة لم يعد يسمع أو يبصر وهلك، فالإنسان لو تركه الله وحده فلن يسمع ولن يبصر، فكل شيء يعمله الإنسان ويملكه هو بحول الله وقوته.
ـ فالعلم بأن الإنسان مصنوع وليس صانعا وليس مستقلا بذاته وأنه جزء من ممتلكات صاحب هذا الكون، وبتعبير آخر فالعلم بأن الإنسان وكل شيء مخلوق لابد أن يكون اقتناعا حقيقيا وليس مجرد اقتناعا نظريا.
(1) آل عمران: من الآية 26
(2) قال الشيخ الألباني: حسن (جامع الترمذي ج: 4، ص: 603، برقم 2402)
(3) فصلت: 15
(4) النحل: 17