وطموحاته وحتى يكون الله والآخرة لهما وجود في همومه، فما بالك إذا لم يكن الإحساس بقدر الله موجود أصلا ولم يكن الله والآخرة ضمن أهدافه أصلا.
ـ فلابد من الشعور بالمقارنة بين الخالق والمخلوق، أي الشعور بأن هناك أحدا لا نراه وأنه ليس أحدا مثل البشر ولكنه أعظم وأكبر في قدراته عن قدرات البشر وأنه أعظم من أي قدرات يعرفها البشر، فإن الخالق ذو قدر عظيم وقدرات وصفات أعظم من كل قدرات وصفات البشر أي أنه أكبر من الإنسان في قوته وإمكانياته وقدراته بحيث أنه استطاع أن يصنع كل هذا الكون فهو خارق للأسباب.
ـ إن الذي خلق البشر وخلق فيهم الحياة وجعل لهم سمع وبصرا وقوة ... الخ، فهو أولى بهذه الصفات: (( أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ) ) [1] ، فهي عند البشر صفات ضعيفة ناقصة، والله له صفات الكمال، وهذا يعني الخضوع لمن له الصفات الأعلى والأعظم فهو الأعلى وهو العظيم في صفاته والله أكبر من كل شيء، وهذا يعني الاحتياج إليه وحب الانتساب إليه.
ـ فلابد من الشعور بأن لك خالقا هو الذي صنعك أنت وكل ما حولك، وأنك وكل ما تملك عبارة عن جزء من ممتلكاته وكل أمرك بيده وأنت في يده ويستطيع أن يفعل بك ما يشاء، وأنك لست حرا تدير نفسك بنفسك وأن عليك الاستسلام والخضوع، ألا يدعوا ذلك إلى الإحساس بالذل والحاجة إليه وحبه والرهبة والخوف منه!، إن هذا يعني أنه ليس أحدا عاديا مثل البشر، فالإنسان يحب أن يكون حرا مستقلا بمعنى أنه لا يحب أن يتحكم فيه أحد ولا يسيطر عليه أحد، أما معنى أنه عبد أي أن هناك من يسيطر عليه ويتحكم فيه.
ـ فالقضية أن كلمات (خالق) و (رب) و (إله) في مشاعر البعض هي أمر عادي، فكون أن له خالقا وإلاها هو أمر عادي ليس له تأثير في المشاعر، وليس لهذه الكلمات أهمية أو خطورة تذكر من ناحية المشاعر، إذن في الاقتناع النظري فان الله هو ربنا وإلاهنا وهو العظيم والكريم والعظيم والقادر وكل صفات الجلال والكمال، لكن في المشاعر لا يوجد شعور بما تعنيه هذه الكلمات من الهيبة والرهبة والخشية والخضوع والخوف منه سبحانه، إن صفات الخالق تعالي ليست صفات عادية مثل صفات البشر، فان قدرة الخالق مبهرة تفوق كل التصورات وليست عادية فلماذا لا تنبهر، وقدرته على أن يصنعك أنت فهذا أمر معجز وغاية في العجب، فلماذا لا تشعر بالهيبة والانبهار والعجب والإعجاب والدهشة والغرابة والخشية والرهبة والخوف والخضوع والحب لله تعالي، فهذا معناه أن شعور المرء بصفات الخالق مثل شعوره بصفات البشر، أي إذا لم يشعر الإنسان بعظمة الخالق في قلبه فهذا وقوع في النفاق الأكبر لأنه يسوي بينه وبين البشر: (( إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ) ) [2] ، وإن كان في الاقتناع النظري أن الله له كل صفات الجلال والكمال، فنحن نتعامل مع صفات الخالق بدون أن نشعر بمدي عظمتها ومدي خطورتها ومدى تأثيرها وأثرها، فإذا كان قدر الخالق وقدرته في شعور الإنسان يساوي صفرا، وقدر ما يصدر عنه من نفع أو ضرر في شعور الإنسان يساوي صفرا (فالشيء الذي لا ينفع ولا يضر لا تتفاعل به المشاعر) ، فلا تتأثر ولا تتعلق به المشاعر.
ـ فغياب الإحساس بقدر معنى كلمة (خالق) أو (إله) أو (رب) معناه غياب الإحساس بقدر ضآلة حجم الإنسان وضآلة قدرته وضآلة حجم الكون رغم اتساعه العظيم جدا، فإن الله سبحانه يمسك السماوات كلها على إصبع واحد فقط من أصابعه سبحانه، وكذلك الأرضين كلها على إصبع واحد فقط من أصابع الرحمن، وكذلك الجبال الهائلة والأشجار جميعا على إصبع، وكذلك كل الماء والثرى في الكون على إصبع، ففي هذا بيان لضآلة حجم كل ذلك، ثم يبين الله مدى قدرته أمام كل ذلك بشيء بسيط جدا وهو أن يهزهن جميعا مما يعنى أن كل قوى البشر وكل قوى الجبال وكل قوى الكون ذليلة مهانة، فأين المتكبرون؟، ففي الحديث: (( جاء حبر من اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا محمد إن الله يمسك السماوات يوم القيامة على أصبع والأرضين على أصبع والجبال والشجر على أصبع والماء والثرى على أصبع وسائر الخلق على أصبع ثم يهزهن فيقول أنا الملك أنا الله، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم تعجبا مما قال الحبر تصديقا له، ثم قرأ(وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون ) )) [3] .
ـ والله يرينا قدرته في الزلازل والبراكين وغيرها، وانظر إلى أننا نعيش على قشرة أرضية عائمة على نار تغلي من صخور ذائبة فإننا نعيش على بحار من نار دون أن ندري!!.
ـ ومن لم يتحقق عنده المعرفة الحقيقية بمعنى كلمة (الخالق) يعيش حياته كالأعمى لا يفقه شيئا وفي القبر إذا سئل: من ربك؟ قال: هاه هاه لا أدري لأنه فعلا لا يدري دراية حقيقية ومعرفة حقيقية بما يعنيه أن له ربا وخالقا.
ـ الإحساس بقدر الله يؤدي بالضرورة إلى المشاعر التالية:
(1) فصلت: من الآية 15
(2) الشعراء: 98
(3) متفق عليه (مشكاة المصابيح ج: 3، برقم: 5524)