ـ العبادة هي الخضوع خوفا من مهابة الله وحبا في الله وما ينشأ عن ذلك من العمل، فالخوف والحب يؤدي إلى الخضوع، فيخضع الإنسان خوفا وحبا لله، فالعلاقة بين الضعيف والقوي هي علاقة خوف مهابة وحب انتماء وينشأ عنها خضوع الخوف وخضوع الحب.
ـ وهذه المشاعر تستمر مع المؤمن في الجنة فيظل عنده الإحساس بقدر الله تعالى وخوف المهابة والحب والخضوع حبا وخوفا من مهابته، ويظل حب الله أكبر من حب كل شهوات الجنة رغم عظمتها لأن الله أعظم كما أن لذة النظر إلى وجه الله تعالى أمتع من كل متع الجنة، والشعور بخوف المهابة والحب والخضوع موجود أيضا عند الملائكة وعند الجمادات لأن كل شيء يسبح بحمده سبحانه.
1 ـ خوف العقاب ورجاء الثواب (الهدف) .
2 ـ الخضوع الناشئ عن خوف العقاب ورجاء الثواب.
ـ فالغرض من هذا الكتاب هو بيان لكيفية تحقيق هذه المشاعر الستة (الإحساس بالقيمة وخوف المهابة والحب وخوف العقاب ورجاء الثواب والخضوع لله تعالى) لأن ذلك هو أصل الدين، ولأن هذه الأمور الستة تحولت عند بعض المسلمين إلى عبارات محفوظة مقدسة وليست مشاعر حقيقية يحس بها الإنسان في داخله، وبالتالي وقعوا في النفاق الأكبر رغم أنهم يدعون وجود هذه المشاعر الستة في أنفسهم، وهي في الحقيقة أصبحت مفرغة من معناها.
ـ وبمجرد تحقيق الإحساس بالقيمة تتحقق باقي المشاعر ويتحقق اليقين الحقيقي.
ـ فاليقين بالله إذا لم يؤدي إلى هذه المشاعر الستة فهو يقين نظري وليس يقينا حقيقيا، أما اليقين الحقيقي فهو الذي يؤدي إلى هذه المشاعر الستة، ولأنه بالفطرة من عرف الله (أحس بقدره) خاف من مهابته وأحبه وخاف عقابه ورجا ثوابه وخضع له وأطاعه.
ـ إذا شعر الإنسان بقوة الله وبضعف نفسه تحقق الخضوع بالضرورة وتحقق الحب والخوف والرجاء، لأن الضعيف يحب القوي إعجابا بقوته ويخافه ويرجوه ويخضع له.
ـ الإنسان إما خاضع وإما مستكبر، فإذا كان لا يشعر بالخضوع فهو مستكبر وهو في حقيقة نفسه يرفض الخضوع.
ـ الإنسان عندما يجد رجلا قويا، فإما أن يكون مواليا له أو معاديا له وحيث أنه لا يستطيع مواجهته لقوته فإنه يواليه خوفا من قوته، فهذا خضوع خوفا من العقاب، وليستمد منه القوة والحماية والإنعام، فهذا خضوع رجاءا في الثواب، وهو يواليه وينتمي إليه وينسب نفسه إليه ويؤيده لينال العزة والشرف بانتسابه إليه، فهذا خضوع انتماء حبا له وإعجابا بصفاته، وهو يواليه احتراما له وتقديرا لمدى قدرته وتوقيرا له وتعظيما له وهيبة له لأنه جدير بالتوقير والتعظيم ومستحق لذلك، فهذا خضوع خوفا من مهابته.
ـ فمثلا الخضوع خوفا من مهابة الله تعالى كما جاء في تفسير الطبري: (( {وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِي الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} يقول تعالى ذكره: وكي يعلم أهل العلم بالله أن الذي أنزله الله من آياته التي أحكمها لرسوله، ونسخ ما ألقى الشيطان فيه، أنه الحق من عند ربك يا محمد، يقول: فيصدّقوا به، يقول: فتخضع للقرآن قلوبهم ) ) [1] .
ـ فالإنسان يحب أن يعمل عند الله عبدا له خاضعا له لأنه يحبه ويخاف من هيبته ويخاف من عقابه ويرجو ثوابه.
ـ مفهوم الخضوع:
ـ معنى كلمة (إله) أي هو من تعيش حياتك خاضعا له خوفا من مهابته وحبا له وخوفا من عقابه ورجاءا في ثوابه، ولذلك من أهم الطاعات المميزة لكلمة (إله) هي الركوع والسجود، فالكفار كانوا يركعون ويسجدون لأصنامهم، والركوع والسجود لله لابد أن يكون ناشئا عن ركوع المشاعر وسجودها وخضوعها وخشوعها لله، وإلا لا يقبل الركوع والسجود، ولو عاش
(1) تفسير الطبري (ج 18، ص: 670)