ـ ومعنى عدم وجود اليقين الحقيقي أو الإيمان الحقيقي هو عدم وجود الإحساس بقدر الله وعدم وجود حب الله وخوف المهابة منه وخوف العقاب ورجاء الثواب وعدم وجود الخضوع لله تعالى وكل ذلك في شعور الإنسان ومشاعره لا يعلمها إلا الله والإنسان في نفسه فقط، وعدم وجود هذه الأمور تجعل المسلم قد وقع في النفاق الأكبر لكن هو بين الناس مسلما لا يشك أحدا في إسلامه أبدا.
ـ المطلوب أن يسأل الإنسان نفسه عن حقائق الأشياء من حوله كيف وجدت ولماذا وجدت ومن أوجدها ومن الذي أوجد الإنسان وما الهدف من ذلك؟ وماذا عليه أن يفعل؟ ولماذا يعيش وما الهدف من حياته؟ وليس المطلوب المعرفة النظرية على هذه الأسئلة فهي معروفة ولكن يستشعر خطورة هذه المعرفة وما تدل عليه.
ـ ويكشف حقيقة إيمانه بأن يسأل نفسه هل يترقب الآخرة ويخاف منها ويحمل لها هما ويحب الجنة ويرجوها؟، وهل يشعر بأنه عبارة عن قطعة من مادة الأرض تم صناعتها وتشكيلها من قبل الخالق وأن هذه القطعة من المادة هي جزء من ممتلكات الخالق، ثم يتم تصنيعها من جديد في الدار الآخرة، فهي قطعة من الطين لا حول لها ولا قوة، فهل يشعر بأنه مخلوق مثل باقي المخلوقات من أرض وسماء وكائنات؟، وهل يشعر بحب الخالق الذي جعل قطعة الطين هذه تتحرك وتدب فيها الحياة وأمدها بما تحتاج إليه؟ وهل يشعر بالحب للخالق إعجابا بمدى قدرته الهائلة؟، وهل يخاف من مهابته ومدى قدرته، وهل يشعر بالخضوع لأنه ليس إلا شيئا مصنوعا بيد الخالق؟، كل هذه الأسئلة تكشف عن حقيقة إيمانه فيعلم أنه إيمان نظري وليس بإيمان حقيقي، فيعلم أن أهدافه ومشاعره للدنيا فقط وأنه يتلهى بالدنيا وأمورها فتظل تشغله حتى يأتيه الموت.
ـ فالمطلوب هو التفكر مع حضور القلب لمعرفة الخالق والآخرة، والتذكر مع حضور القلب لمعنى أن له إله ومعنى أنه المالك والخالق والرازق والقادر ومعنى الآخرة وما تعنيه من الخطورة، أي يجمع بين التفكر والتذكر، لذلك يقول شيخ الإسلام ابن القيم: (( التفكر والتذكر أصل الهدى والفلاح ... قال الحسن: ما زال أهل العلم يعودون بالتذكر على التفكر وبالتفكر على التذكر ويناطقون القلوب حتى نطقت فإذا لها أسماع وأبصار ) ) [1] .
ـ فالمطلوب أن يكون الإنسان حيا وليس ميتا فيكون له سمع وبصر وعقل يعقل به الأمور، فإذا كان الإنسان حيا فإنه سوف يستجيب لدعوة الرسل ويؤمن ويدخل الجنة، وإذا لم يكن الإنسان حيا بسمع ويبصر فإنه لن يؤمن بما دعا إليه الرسل ويخلد في النار: (( إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ) ) [2] ، (( لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ ) ) [3] (( وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ) ) [4] ، ومعنى أن يكون الإنسان حيا يسمع ويبصر أن يكون عنده إحساس بقيمة ما يسمعه وما يراه، إذن المطلوب تحديدا هو إيجاد الإحساس بالقيمة، فالإنسان إذا آمن بشيء من غير إحساس بقيمة ما يؤمن به فهذا إيمان نظري لا قيمة له.
ـ الدين عبارة عن جانب معرفي وجانب شعوري وجانب عملي، الجانب الشعوري عبارة عن أمران هما الإحساس بالقيمة والمشاعر، والخلل عندنا هو عدم وجود الجانب الشعوري فأصبح الإسلام عندنا كالجسد الميت ليس فيه الجانب الشعوري، إذن المطلوب هو تحقيق الجانب الشعوري، ولاحظ أن الإنسان الذي يسعى لتحقيق الجانب الشعوري في نفسه قد يبدو أنه لا يفعل شيئا لكنه في الحقيقة يفعل أخطر شيء في الدين لينقذ نفسه من النار.
ـ إذن المطلوب تحديدا هو إيجاد الإحساس بالقيمة، ويتم ذلك عن طريق التفكر والتذكر مع حضور القلب.
ـ وبتعبير آخر فالمطلوب هو تغيير نظرة الإنسان للأمور من حوله ليشعر بالقيمة الحقيقية للأشياء من حوله، وتغيير مشاعره وهمومه وتفكيره، ونوضح ذلك كالتالي:
ـ تغيير نظرة الإنسان لما حوله معناه أنه يرى الأمور على حقيقتها فينظر إلى الدنيا وما بها من أمور وشهوات وأعمال على أنها ضئيلة فانية، وينظر إلى حياته فيها على أنه مسافر مرتحل من دار الغربة إلى وطنه ودار إقامته وأهله وهكذا.
ـ أي تصحيح المفاهيم، فالسعادة واللذة والمتعة عند بعض الناس هي في الدنيا والشهوات والطعام والشراب، وذلك يدل على أنه في عقولهم خلل، وأنهم يحتاجون إلى أن تصح عقولهم أولا لكي تفهم حقائق الأشياء فهما صحيحا، فمتع الدنيا ضئيلة سواء في حد ذاتها أو بمقارنتها بمتع الجنة، بل إنها ليست متع وإنما آلام وعقاب يوم القيامة لمن تعلقت مشاعره بها.
ـ وتغيير المشاعر معناه أن تتغير المشاعر من مشاعر لا تعرف غير الدنيا إلى مشاعر تعرف الله والآخرة وثوابت الدين أي تغيير ما يحبه وما يكرهه وما يخافه وما يرجوه من أمور دنيوية إلى أمور أخروية وتغيير الطموح من طموح إلى الدنيا إلى طموح إلى الآخرة، ومن أمل في الدنيا إلى أمل في الآخرة.
ـ فالفرق بين المؤمن وغير المؤمن هو تعلق مشاعره، فغير المؤمن مشاعره متعلقة بالمال أو الشهوات أو المظاهر أو العلم الدنيوي أو أي شيء أو أي قضية غير الله والآخرة، أما المؤمن فالشاغل الأكبر لمشاعره هو الله والآخرة.
ـ وتغيير الأهداف والهموم معناه أن تتغير أهداف الإنسان من أهداف وطموحات ومشاريع ورغبات لا تعرف غير رغبات الدنيا إلى أن يصبح الطموح الأكبر هو الآخرة، ومن أماني كالعثور على كنز إلى أماني ورجاء العثور على الكنز الحقيقي (الجنة) لأن كنوز الدنيا تفنى ولا قيمة لها، ومن توجه تفكير الإنسان في أمور الدنيا فيصبح أكثر تفكيره في أمور الآخرة والدين.
ـ أي يتغير ما يتمناه الإنسان ويحلم به، فبدلا من أن يتمنى الإنسان المال وأن يكون غنيا ويحلم بذلك، أو يتمنى المتع المختلفة في الدنيا فإنه يتمنى نعيم الجنة ويحلم به ويتمنى النجاة من النار لأن هذا حال من عرف حقيقة الآخرة وعرف ضآلة الدنيا، وبالتالي هذا حال من آمن بالآخرة إيمانا حقيقيا، فبدلا من أن يكون أكبر ما يتمناه وأكبر ما يحلم به وأكبر ما يرجوه وأكبر ما يطمح إليه ويرجوه ويحلم به ويفكر فيه أن يعثر على كنز مثلا أو يصل لمنصب أو شهوات، ليصبح أكبر ما يتمناه ويطمح إليه ويرجوه ويحلم به ويفكر فيه هو دخول الجنة والنجاة من النار.
ـ وبمعنى آخر فالتغيير المطلوب هو إخراج الدنيا من القلب، وهذا ليس أمرا سهلا فإن أخطر ما عند الإنسان وأغلى ما يملكه هو مشاعره، وإن أصعب شيء على الإنسان هو تغيير مشاعره، وتغيير نظرته إلى قيمة المال والمظاهر والشهوات والعادات من أمور يراها في نفسه عظيمة إلى أمور يراها في نفسه ضئيلة، وفي نفس الوقت لا مانع أن تبقى الدنيا في يده، أي تكون الدنيا في يده لا في قلبه، وقد سئل الإمام أحمد عن الصاحب يكون زاهدا ومعه مائة دينار قال: (( نعم على شريطة إذا زادت لم يفرح وإذا نقصت لم يحزن ) ) [5] وهذا معناه تغير المشاعر تجاه المال وهو أمر ليس سهلا.
ـ إذن فالأصل هو إيجاد الإحساس بالقيمة، ولكن لاحظ أنه لن يتحقق ذلك ولن تتحقق الهداية والعمل الصالح إلا إذا أراد الله، فالأصل قبل ذلك هو أن يدعو الإنسان الله أن يهديه وأن يوفقه للأعمال الصالحات ثم يأخذ بالأسباب التي تجعله حيا وليس ميتا بالتفكر مع حضور القلب والتذكر لحقائق الأشياء.
ـ اليقين الحقيقي بالله معناه الإحساس بخطورة أن لك ربا.
ـ عندما يعلم الإنسان أن هناك قدرة هائلة فوق كل قدرات البشر هي التي استطاعت أن تصنع كل هذا الكون الهائل وكل هذه البشرية فإنه يشعر بخطورة هذا الأمر الهائل العجيب المبهر، وهو عندئذ تحقق عنده اليقين الحقيقي بالخالق، أما إذا لم يكن لهذا الأمر قيمة في شعوره فهو أحمق ويقينه بالخالق هو يقين نظري فقط، وينشأ عن ذلك الشعور بخطورة الأمر أن يشعر بالرهبة وخوف المهابة وحب الإعجاب بقدرة الخالق.
ـ غياب الإحساس بقدر الله (الغفلة عن الله) ورد في القرآن بتعبيرات مثل النسيان كما في قوله (( نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ ) ) [6] ، (( وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ ) ) [7] ، وعدم العلم ففي تفسير الطبري: (( وقوله:(بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ) يقول تعالى ذكره: بل أكثر هؤلاء المشركين لا يعلمون قدر عظمة الله )) [8] ، والجهل ففي تفسير ابن كثير: (( {قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} أي: تجهلون عظمة الله وجلاله ) ) [9] ، وعدم الفقه ففي تفسير القرطبي: (((ذلك بأنهم قوم لا يفقهون) أي لا يفقهون قدر عظمة الله وقدرته )) [10] ، وعدم المهابة ففي تفسير الطبري: (( عن مجاهد(مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا) قال
(1) مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة (ج: 1، ص: 213)
(2) الأنعام: 36
(3) يس: 70
(4) الملك: 10
(5) الآداب الشرعية (2/ 230)
(6) التوبة: 67
(7) الحشر: 19
(8) تفسير الطبري (ج: 19، ص: 484)
(9) تفسير ابن كثير (ج: 3، ص: 467)
(10) تفسير القرطبي (ج: 18، ص: 35)