فهرس الكتاب

الصفحة 119 من 168

وهي والهةٌ ووَالِه. وكل أنثى فارقت وَلَدَهَا فهي والِهٌ )) [1] ، (((وله) الوَلَهُ الحزن وقيل هو ذهاب العقل والتحير من شدّة الوجد أَو الحزن أَو الخوف والوَلَهُ ذهاب العقل لفِقْدانِ الحبيب )) [2] .

ـ إذن إذا تعلق قلبك بشيء بشدة لدرجة الوله فأنت تعبد ذلك الشيء، ومن أمثلة ذلك الخوف الشديد إلى درجة الوله على الصحة وعلى العمر وعلى المال وعلى الفقر وعلى الرزق، والحزن والاكتئاب الشديد إلى درجة الوله من تقدم العمر والشيخوخة وفوات أي أمر من أمور الدنيا، والحب الشديد لدرجة الوله للمال أو للشهوات أو للدنيا كحب الإنسان للمرأة لدرجة الوله.

ـ ومن أثر ذلك أن تفرح وتسعد بالحديث عنه وذكره، فتكثر من الحديث عنه وتجد في ذلك سعادة واطمئنان، فبدلا من أن تأنس وتطمئن بذكر الله فتأنس وتطمئن بذكر شهوات النساء والحديث عنهن مثلا: (( الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ) ) [3] .

ـ مثال:

ـ إذا أخذنا عبادة المال مثلا، فالمسلم يقع في النفاق الأكبر بعبادته المال إذا كانت المشاعر المتعلقة بالله والآخرة موجودة ولكنها أقل من المشاعر المتعلقة بالمال، فشعوره بقدر المال في قلبه أكبر من شعوره بعظمة الله في قلبه، أي إذا كان تعلق القلب بالمال أكبر من تعلق القلب بالله، وذلك رغم وجود المعرفة النظرية التامة بعظمة الله وضآلة قيمة المال، فيكون حبه للمال أكبر من حبه لله، وخوفه على ضياع المال أكبر من خوفه من الله، ورجاؤه في الحصول على المال أكبر من رجاؤه في الله، وخضوعه للمال أكبر من خضوعه لله، وتوكله واعتماده على المال أكبر من توكله واعتماده على الله، أي حقيقة أمره أنه يعيش من أجل المال وليس يعيش من أجل الله، أي عيشه من أجل المال أكبر من عيشه من أجل الله، وهمومه بالمال أكبر من همومه بالله، أي انشغال باله وذكر قلبه للمال أكبر من انشغال باله بعظمة الله وذكر قلبه لله، فالإنسان قد يقول بشعوره ومشاعره: (المال أكبر) فهو بذلك يقع في عبادة المال، وإذا قال بشعوره ومشاعره: (الله أكبر) فهو يعبد الله تعالى، أما القول باللسان والاقتناع النظري بأن الله أكبر فهذا لا يكفي، فقد يسير قول اللسان والمعرفة النظرية في اتجاه، ويسير شعور الإنسان ومشاعره في اتجاه معاكس تماما.

ـ وكذلك إذا لم تكن المشاعر المتعلقة بالله والآخرة موجودة أصلا، فيكون القلب ممتلئ بالمشاعر المتعلقة بالمال، فهذا عبادة للمال.

ـ إذا قارن الإنسان بين ألم الدنيا وألم الآخرة، وكان خوفه من ألم الدنيا أكبر من خوفه من ألم الآخرة فهذا معناه أن الدنيا عنده أكبر وأعظم من الآخرة، فهو بذلك يؤثر الدنيا على الآخرة، وكذلك إذا كانت لذة الحب والشوق لأي شيء في الدنيا أكبر من لذة الحب والشوق لله فهذا معناه أن ذلك الشيء عنده أكبر وأعظم من الله، وكذلك إذا كانت أهداف الإنسان واهتماماته وطموحاته المتعلقة بالدنيا أكبر من أهدافه واهتماماته وطموحاته المتعلقة بالآخرة فهذا معناه أن الدنيا عنده أكبر وأعظم من الآخرة.

ـ أكبر وأخطر الأصنام التي يعبدها الناس اليوم هي عبادة المال والتي تعني تعلق المشاعر بالمال أكبر من تعلقها بالله والآخرة، وقد تكون المشاعر المتعلقة بالله غير موجودة أصلا وكل المشاعر متعلقة بالمال، فيكون كل حبه وخوفه ورجاءه وهدفه وهمه في المال وكيفية الحصول عليه.

ـ إن كلمة (المال) عند من لم يشعر بضآلته وفناءه أمام قيمة الآخرة تختلف عن كلمة (المال) عند من يشعر بذلك، فالأول ينظر إلي المال أنه ذو قيمة عظيمة وينظر إلى صاحب المال نظرة تعظيم وانبهار أما الثاني فينظر إليه أنه مجرد عارية تسترد بعد قليل حين الموت.

ـ الدنيا وما بها من مال وشهوات ومتع لا تساوي شيئا بالمقارنة بالآخرة، فمن يوقن بالآخرة يقينا حقيقيا تكون كل أموال الدنيا وشهواتها ومناصبها هي مثل الطين في نظره لأنه يقارنها بالآخرة فلا تساوي شيئا، وهو ينظر إلى من عنده قدر كبير من أموال الدنيا ومناصبها وشهواتها على أنه عنده قدر كبير من الطين، فلا ينظر له نظرة انبهار، وينظر إلى الفقير المعدوم على أنه عنده قدر قليل من الطين، وإذا ظلمه أحد فلا يتألم ويشتد حزنه لأنه يعلم أن ذلك الظالم مسكين قد أتعب نفسه وأخذ منه قدرا من الطين، وهذا لا يمنع من أن يطالب بحقه، أما الذي لا يوقن بالآخرة يقينا حقيقيا فإذا كان مظلوما أو فقيرا فإنه يكون دائم التسخط والتألم الشديد والحزن الشديد ودائم الشكوى وإذا خسر في تجارة أو أصابه مصاب قد يصاب بسكتة قلبية أو اكتئاب شديد جدا، وإذا كان ظالما أو غنيا فإنه يكون دائم التهلل والفرح الشديد ويعجب بنفسه بشدة ويتكبر على غيره، والذي

(1) العين (ج: 1، ص: 281)

(2) لسان العرب (ج 13، ص: 561)

(3) الرعد: 28

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت