لا يوقن بالآخرة يقينا حقيقيا فهو خائف خوف شديد جدا على صحته وعلى عمره لدرجة الهلع كأنه لا يريد أن يموت، وكذلك فهو خائف بشدة على ألا يفوته أو ينقص منه شيء من متع الدنيا وحريص بشدة كبيرة جدا على أن يفقد غيره من الناس متع الدنيا وألا يحصلوا على شيء من متعها حتى يكون هو الأعلى، وذلك لأن الدنيا ومناصبها وأموالها وشهواتها هي في نظره عظيمة وكبيرة جدا ويوم القيامة يفاجئ بأن كل ذلك كان مجرد طين وأنه كان حريصا على جمع الطين!، فالناس أمامهم جبل من الذهب الحقيقي وجبل من الطين، وهم يتهافتون ويتنافسون على جبل الطين الذي هو أموال الدنيا وشهواتها ومناصبها، ويتركون جبل الذهب الذي هو إحياء القلب وتحصيل الحسنات.
ـ بعض الناس يظل يصور لنفسه أن شهوة النساء فيها متعة كبيرة وعظيمة، وقد يصور لنفسه أنه بالفعل يحقق هذه المتعة العظيمة، أو يظل ينشد الوصول لهذه المتعة العظيمة، وينظر إلى شهوة النساء على أنها السعادة الني ينشدها الجميع ويعيشون لها، ويظل يتغنى بها في حله وترحاله، وذلك كله رغم يقينه النظري بأنها متعة صغيرة وقتية سواء في حد ذاتها حيث للإنسان قدرة محدودة لهذه الشهوة أو إذا قارنها بمتعة الحور العين في الجنة، لكنه يتجاهل ذلك كله ويتغافل عنه ويخدع نفسه ويصور لنفسه أن متعة النساء هي الشيء العظيم ومنتهى الأمل وأن قدرته في التمتع بهذه الشهوة لا حد لها، فإذا كان حبه ومشاعره المتعلقة بهذه الشهوة أكبر من حبه ومشاعره المتعلقة بالله فقد وقع في عبادة شهوة النساء، وفي تفسير القرطبي: (("الذين في قلوبهم مرض"يعني الذين في قلوبهم الزنا ... وقال سلمة بن كهيل: نزلت في أصحاب الفواحش، والمعنى متقارب ) ) [1] ، وفي الحديث: (( ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء ) ) [2] .
ـ هناك فرق بين الوقوع في الذنب وبين حب الذنب، فكلاهما حرام، ولكن الخطر الأكبر هو حب الذنب، فربما يقع الإنسان في الزنا لكنه يكون من المتقين ويتوب إلى الله حيث يكون حبه لله أكبر من حبه لهذا الذنب، وإنسان آخر لا يزني لكنه فقط يحب النظر إلى عورات النساء مثلا حيث يكون مولعا بحب هذا الذنب فيكون حبه لهذا الذنب أكبر من حبه لله أو مع عدم وجود حب لله أصلا، فعندئذ هو قد وقع في عبادة الهوى والنفاق الأكبر، إذن مهما وقع الإنسان في الذنب فذلك لا يدل على أن حبه لذلك الذنب أكبر من حبه لله، ولكن إذا كان حبه للذنب أكبر من حبه لله ولو لم يفعل الذنب أصلا كأن لا ينظر إلى العورات ولا يزني مثلا ولكن يتمنى ذلك ويحبه أكبر مما يحب الله سبحانه فعندئذ قد وقع في عبادة الهوى والنفاق الأكبر.
ـ لذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (( فَإِنَّ الزِّنَا مِنْ الْكَبَائِرِ وَأَمَّا النَّظَرُ وَالْمُبَاشَرَةُ فَاللَّمَمُ مِنْهَا مَغْفُورٌ بِاجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ فَإِنْ أَصَرَّ عَلَى النَّظَرِ أَوْ عَلَى الْمُبَاشَرَةِ صَارَ كَبِيرَةً وَقَدْ يَكُونُ الْإِصْرَارُ عَلَى ذَلِكَ أَعْظَمَ مِنْ قَلِيلِ الْفَوَاحِشِ فَإِنَّ دَوَامَ النَّظَرِ بِالشَّهْوَةِ وَمَا يَتَّصِلُ بِهِ مِنْ الْعِشْقِ وَالْمُعَاشَرَةِ وَالْمُبَاشَرَةِ قَدْ يَكُونُ أَعْظَمَ بِكَثِيرِ مِنْ فَسَادِ زِنَا لَا إصْرَارَ عَلَيْهِ ) ) [3] .
ـ الإنسان فطر على حب الزوجة والأبناء ووالديه وذلك حلال وليس بذنب، وكذلك إذا أحب كسب المال من الحلال وأحب الطعام والشراب وغير ذلك، فكل ذلك حلال وليس بذنب، لكن إذا كان حبه لأي شيء سواء كان حلالا أم حراما أكبر من حبه لله فذلك عبادة للهوى ونفاق أكبر.
ـ قد يقول الإنسان بمشاعره: (أنا ربكم الأعلى) رغم أنه بلسانه وباقتناعه النظري يقول لا إله إلا الله، وذلك عندما يشعر أنه الأعلى ـ أو يريد أن يكون الأعلى ـ فوق كل الناس في كل شيء وهم جميعا أذلاء تحت قدميه، فقلبه مليء بالحقد على الناس وكراهية الخير لهم والحسد على ما عندهم، فهو يريد التعاسة والشقاء والفقر والبلاء للناس، ويريد لنفسه كل الرفعة والعظمة والمكانة والغنى، وهو يتجاهل أن هناك إله فوقه، لذلك يرى أنه وحده الأعلى المتكبر على الناس الغني العظيم في مكانته ويريد أن يصل ليكون لنفسه كل صفات العظمة والقوة ولغيره كل صفات الضعف والفقر والذل حتى ولو لم يصل إلى ذلك فهو يشعر بذلك في نفسه أو يريده، فهو يقول بمشاعره: (( ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ ) ) [4] ، فهم يعتبرون أن غيرهم من الناس هم طبقة الرعاع السفلة المنحطين!.
ـ هنا يأخذ الإنسان دور الإله بدلا من أن يكون عابدا، فهو يصنع من نفسه إلاها، حيث يغفل الإنسان عن حقيقة نفسه فلا يتنبه إلى ضآلته، ويزين الشيطان للإنسان أنه ذو قدر عظيم وكبير، فتكون نظرة الإنسان لنفسه أنه ذو شأن هام عظيم القدر وأن له إمكانيات وقدرات وسيطرة وعلم كبير، فيغتر بما عنده من عقل ذو قدرات هائلة، وأنه هو الذي صنع التقدم العلمي الهائل والتكنولوجيا المبهرة، وأنه يستطيع أن يصنع الأعاجيب، وأن ما عنده من مال أو صحة أو ممتلكات أو صحة جسدية أو جمال أو نعم فهي من صنع يده ونتيجة لكده وعلمه وخبرته، وأنه حر وله الحقوق والسيطرة وقدرات كبيرة، وأنه ليس بضعيف أو ناقص أو يحتاج لغيره فهو يعتمد على نفسه ولا يذل لأحد وليس لأحد عليه سلطان أو مذلة أو حق، ولا يدري أنه بذلك يتعالى على الله ويستكبر أن يخضع له: (( إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ ) ) [5] ، فإنه ينسي أو يتجاهل قدر عظمة الله، وينسي أو يتجاهل قدر ضآلة نفسه ومدى ضعفه: (( أَوَلَمْ يَرَ الْإنسان أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ ) ) [6] ، (( هَلْ
(1) تفسير القرطبي (ج: 14، ص: 245)
(2) السلسلة الصحيحة (2701)
(3) مجموع الفتاوى ـ الباز المعدلة (15/ 293)
(4) آل عمران: من الآية 75
(5) الصافات: 35
(6) يّس: 77