أَتَى عَلَى الْإنسان حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شيئا مَذْكُورًا )) [1] ، فيشعر الإنسان بأنه ذو قدر عظيم وتتوجه مشاعره تجاه نفسه فيعبد ذاته، فيعتز بنفسه ويرى العزة لنفسه وليست لله: (( فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا ) ) [2] ، فهو يعبد نفسه يريد لها كل المتع ويريد لغيره كل الشرور، كأنه يريد أن يجعل من نفسه إله وغيره عبيد، فربما تجده متكبرا متعالي مغرور شحيح النفس مرائي، فكل همومه وأهدافه هي نفسه، وكل مشاعره مرتبطة بما يسعد رغباته، وعلى العكس فمشاعره كارهة لأي خير للناس، فهذه هي عبادة الذات فهو يعبد نفسه، وكذلك تجد عنده حب التسلط على الناس والتحكم فيهم وحب الزعامة وأن يكون مطاعا، فإذا كان حبه لذلك أكبر من حبه لله أو كان كل حبه لذلك فقد عبد نفسه.
ـ ومن الناس من أكبر ما تتعلق مشاعره وحبه في الترقي في المكانة الاجتماعية والحصول على الشهادات العلمية سواء لنفسه أو لأبنائه سواء كان ذلك للحصول على مال أكثر أو التمتع بالمظاهر والرياء فإذا كانت مشاعره مرتبطة بذلك أكبر من ارتباطها بالله والآخرة فذلك عبادة للمظاهر وعبادة للمال.
ـ ولاحظ أن عبادة المظاهر قد تكون في أن يكون أكثر مالا من الناس وتمني زوال المال من عند الناس بحيث يكون الإنسان أكثر مالا من غيره فيتعالى عليهم بذلك أو بتحصيل جاه ومنصب ومظهر وتمني زوال ذلك من عند الناس حتى يتعالى على الناس بمكانته، وليست القضية في ذات العمل ولكن في تعلق قلبه به، فالعمل معصية لكن تعلق القلب به أكبر من تعلقه بالله هو عبادة للهوى.
ـ ومن أمثلة عبادة المظاهر أن يعيش الإنسان حياته من أجل أن يمد زوجته وأولاده بكل ما يحتاجونه فيكون مورد مالي فقط فيكون ذلك أكبر مشاعره وأهدافه ويكون ذلك أكبر سعادة له ثم يكتشف في النهاية أنه كان يحصد الهواء ويموت ويترك أولاده يتنعمون بما ترك لهم وهم لا يقيمون له وزنا في أنفسهم سواء في حياته أو بعد موته.
ـ من الناس من يكون عندهم كل ما ينبني عليه عتاب من الآخرين أو خسارة مادية أو خسارة اجتماعية أو عقاب من القانون فهو محل اعتبار واهتمام بدرجة أن أكبر مشاعرهم مرتبطة بذلك، وكل التصرفات والحسابات مبنية على ذلك.
ـ تعظيم قوانين العادات والتقاليد والعرف والمصالح والقوانين الوضعية وتعلق المشاعر بها أكبر من تعلقها بالقيم الإسلامية وقوانين الحلال والحرام وأكبر من تعلقها بالله والآخرة فذلك من تعظيم الدنيا وعبادتها، وذلك عبادة للهوى والمزاج والرأي.
ـ ومن الناس مَنْ حياته مبنية علي أساس ما يراه عقله ومزاجه، فيجعل الرأي هو المحور والأساس والمقياس والمرجعية الوحيدة التي يعيش بها حياته، فيعيش وفق ما يميل إليه رأيه ومزاجه وهواه وما يشتهي ويريد، فهذا يعبد هواه.
ـ ومن الناس من يكون الجدال عنده شهوة يجد فيه اللذة لدرجة أن يكون أكبر مشاعره.
ـ وقد لا يقع الإنسان في الشهوات، لكنه يعيش حياته متمنيا لها قريبا منها يدور حولها وإن لم يقع فيها، فهو ينشغل باله بالشهوات ويسمع عنها ويتكلم بها، ويجد سعادته في الإغراء بها وتمنيها، فإذا كان تعظيمه لهذه الأماني أكبر من تعظيمه لله، وإذا كانت مشاعره متعلقة بهذه الأماني أكبر من تعلقها بالله فهو يعبد الأماني.
ـ وقد تتعلق مشاعر الإنسان ببعض الشهوات كشهوة المظاهر أو بالمال أو شهوة النساء ... الخ ولكنها لا تصل إلى درجة أن تكون عبادة للمظاهر أو المال أو شهوة النساء .. الخ، أي لا تكون أكبر مشاعره متعلقة بالمظاهر أو المال أو شهوة النساء .. الخ، وذلك لأي واحدة على حدة، ولكن قد تتعلق مشاعر الإنسان بمجموعة من الشهوات أو الأشياء فيكون مجموع تعلق مشاعر الإنسان بمجموع هذه الشهوات أكبر من تعلق مشاعر الإنسان بالله والآخرة، وهذا هو الأخطر لأنه الأكثر حدوثا من صور عبادة الهوى.
ـ فمن الناس من تتوزع أهدافه على أمور كثيرة من أمور الدنيا حتى تمتلأ أهدافه فلا يوجد حيز لهدف آخر، فهو يريد أن يكون كذا وكذا وكذا، ويريد أن يحقق كذا وكذا وكذا من أهداف الدنيا، فهو لا يعيش من أجل قضية معينة واحدة وإنما لعدة قضايا فلا يشعر أن مجموع هذه القضايا يمثل قضيته في الحياة، فمجموع هذه الأهداف هو في حقيقته هدف واحد هو الدنيا، وكذلك في حبه ومشاعره، فإن مجموع المحاب أكبر من حب الله، ومجموع المخاوف أكبر من الخوف من الله، ومجموع الهموم أكبر من انشغاله بلقاء الله والآخرة، فمثل هذا الرجل هو يعيش من أجل الدنيا وغايته الدنيا رغم أنه قد يكون مقتنعا تماما بأنه يعيش لله وغايته الله.
ـ هناك مَنْ قلبه متعلق بمتع الدنيا فقط، وهناك مَنْ قلبه متعلق بمتع الجنة والحور العين والنظر إلي وجه الله الكريم، وأيضا هناك مَنْ هو خائف ويحمل هم متاعب الحياة وهمومها فقط، وهناك مَنْ هو خائف ويحمل هم نار الآخرة وأهوال القيامة، فالأول يعبد هواه والثاني يعبد الله، وكلاهما يريد أن يتمتع ويريد أن يبتعد عن الآلام، وهنا أيضا يتضح الفرق بين مجرد الاقتناع النظري بمتع الجنة وبين مَنْ هو يشعر بمتع الجنة، وبين مَنْ هو مجرد مقتنع نظريا بعذاب النار ومَنْ هو يشعر بعذاب النار، فمن الناس مَنْ يجد عزته وشرفه وحبه وخضوعه ومشاعره للمال أو الشهوات أو المظاهر .... الخ، أما المؤمن فيجد عزته في الله والانتساب إليه وليس في عرض زائل من أعراض الدنيا.
(1) الإنسان: 1
(2) فاطر: من الآية 10